زلزال في الباسيفيكي وعواصف في الخليج... مصير الصراع الأمريكي الإيراني بعد قمة بكين
من قاعة الشعب الكبرى في بكين، حيث ألتقي التنين الصيني المتمهل بالبلدوزر الأمريكي المندفع، إلى المياه الدافئة لمضيق هرمز، حيث تُطبخ مقادير الحرب والسلام فوق موقد من النفط والبارود.
نحن لا نتحدث عن مجرد زيارة دبلوماسية قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين؛ بل نحن أمام خطوة إستراتيجية كبرى على رقعة شطرنج عالمية، حيث تحاول واشنطن الإستعانة بنفوذ بكين لكبح جماح طهران، بينما تقف الأخيرة ممسكة بشريان الطاقة العالمي.
أمريكا ترى أن بكين، ورغم إبدائها الرغبة في التهدئة، إستغلت الحرب الإيرانية الأمريكية بذكاء شديد لتحقيق تفوق إستراتيجي . فالصين نجحت في تقديم نفسها للعالم كقوة مسؤولة وراعية للسلام، مستغلة حالة السخط العالمي من إستمرار الحرب لتبدو بمظهر البديل العاقل للنفوذ الأمريكي المندفع.
بكين إستغلت إنشغال واشنطن لتعزيز مبيعاتها العسكرية لحلفاء أمريكا في الخليج الذين بحثوا عن مظلات حماية فورية. والأهم من ذلك، أن الحسابات الأمريكية التي راهنت على أن إغلاق مضيق هرمز سيخنق الصين بإعتبارها أكبر مستورد للنفط الإيراني كانت حسابات قاصرة؛ فالتقييم يؤكد أن الصين إستطاعت الصمود بمرونة بفضل إحتياطياتها الهائلة وتوسعها في الطاقة المتجددة، بينما تركت أمريكا وحيدة في مواجهة أزمة تضخمية تعصف بإقتصادها الداخلي.
فنجد الداخل الأمريكي يعيش حالة من الغليان. لم تعد الحرب في الشرق الأوسط مجرد أخبار تُبث عبر الشاشات، بل تحولت إلى عبء يومي يلمسه المواطن الأمريكي في جيبه.
ثقة المستهلك الأمريكي سجلت مستويات هبوط قياسية، والسبب المباشر هو صدمة المعروض التي ضربت أسواق الطاقة والمواد الغذائية نتيجة إستمرار القتال وصعوبة الملاحة ترامب، الذي ذهب إلى بكين حاملاً لغة التهديد بفرض تعريغات جمركية بنسبة 50% على الصين، إضطر للتراجع والبحث عن صفقة تمنحه نصراً سياسياً سريعاً يُهدئ به روع الشارع الأمريكي الناقم؛ فالداخل الأمريكي بات يضيق ذرعاً بحروب لا تنتهي، والمعارضة السياسية تجد في تعثر الإدارة في حسم الصراع مع إيران مادة دسمة لتقويض شرعية الإدارة الحالية.
ولايمكن فهم هذه الحرب دون النظر إلى جغرافيتها السياسية، والمتمثلة في مضيق هرمز ، والذي يؤثر على حركة أسعار النفط التى تعيش حالة جنون وخاضعة تماماً لمؤشرات البارود والدبلوماسية.
فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي؛ إنه الشريان الأهم للإقتصاد العالمي، وإذا ما أصيب بانسداد، فإن العالم كله يدخل في غيبوبة طاقة.
وعندما أعلنت طهران عن فتح جزئي للمضيق، تراجعت الأسعار بأكثر من 10%، لكن سرعان ما إشتعلت مجدداً لتتجاوز أسعار خام برنت حاجز الـ 107 دولارات للبرميل بمجرد أن صرح ترامب عبر بأنه "لن يكون صبوراً أكثر مع إيران".
وعلى الرغم من أن الحرس الثوري الإيراني سمح بعبور بعض السفن، إلا أن معدل العبور اليومي إنهار من 140 سفينة قبل الحرب إلى نحو 30 سفينة فقط حالياً، وهو ما يبقي السوق العالمي في حالة عطش دائم ونقص حاد في الإمدادات خاصة وقود الطائرات في أوروبا، مما يجعل أسعار النفط مرشحة للقفز إلى مستويات قياسية قد تلامس الـ 130 دولاراً إذا ما إنهار وقف إطلاق النار الهش.
يمكننا القول إن زيارة ترامب لبكين قد نزعت فتيل الإنفجار الفوري، لكنها لم تطفئ محركات الأزمة. لقد ذهب الرئيس الأمريكي إلى الصين باحثاً عن رافعة تخرجه من مأزقه الإيراني، فواجه تنينًا صينيًا يدرك تمامًا حجم قوته، ويعلم أن المفتاح ليس في واشنطن وحده، بل في طهران أيضًا.
إن مضيق هرمز سيبقى هو الميزان الحقيقي؛ فإما أن يكون جسراً لصفقة دولية ترعاها بكين وتوقع عليها واشنطن، وإما أن يظل برميلاً من البارود ينتظر شرارة طائشة تحرق ما تبقى من إستقرار في الإقتصاد العالمي، ولن تظل المواقف على حالها طالما أن مصالح الكبار تتصادم فوق مياه الخليج الدافئة.
فهل ستضطر الولايات المتحدة في النهاية لقبول الشروط الإيرانية وحلفائها الصينيين لإنقاذ إقتصادها الداخلي، أم أن ترامب قد يغامر بالخيار العسكري الشامل؟.