لبنان بين هدنةٍ مكسورة ..وطريق غامض ..ورئيس يسير على خطي السادات

ياسر بركات
ياسر بركات

في لحظات التوتر الكبرى، لا تكون الأحداث مجرد وقائع تُروى، بل إشارات تُقرأ، ورسائل تُفك شفراتها في سياق أوسع من حدود الجغرافيا الضيقة،  وما يجري اليوم في الجنوب اللبناني، بعد خرق الهدنة من قبل إسرائيل، لا يمكن عزله عن هذا الإطار الأوسع، حيث تتقاطع الحسابات الإقليمية مع رهانات القوى الكبرى، وتُختبر مرة أخرى معادلة الحرب والسلام في منطقة لم تعرف إستقرارًا حقيقيًا منذ عقود.


خرق الهدنة، في جوهره، ليس مجرد عمل عسكري محدود، بل هو فعل سياسي بإمتياز ، إسرائيل التي إعتادت إستخدام القوة كأداة تفاوض غير معلنة، تدرك أن أي تهدئة طويلة الأمد في الجنوب تعني تكريس واقع ردع متبادل، وهو ما لا يتسق مع إستراتيجيتها القائمة على إبقاء جبهاتها مفتوحة بالحد الأدنى الذي يسمح لها بإعادة ضبط قواعد الإشتباك كلما أقتضت الحاجة. 

ومن هنا، فإن ما حدث ليس مفاجئًا بقدر ما هو إستمرار لنهج ثابت، يقوم على إختبار حدود الطرف الآخر، وإستكشاف مدى قدرته على الرد أو الصبر.


في المقابل، يقف لبنان، الدولة والمجتمع، أمام معادلة معقدة ،فالدولة اللبنانية، التي تعاني من أزمات إقتصادية وسياسية خانقة، تجد نفسها عاجزة عن الإمساك الكامل بقرار الحرب والسلم أما الجنوب، فهو مرة أخرى ساحة الرسائل المتبادلة، حيث تتحرك المقاومة بإعتبارها الطرف الأكثر جاهزية للرد، ولكن أيضًا الأكثر إدراكًا لحساسية اللحظة.


المقاومة التي راكمت خبرة طويلة منذ عام 2006، تبدو اليوم أكثر حذرًا في حساباتها ، فهي تدرك أن أي إنزلاق إلى مواجهة شاملة قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها، في ظل ظروف إقليمية متفجرة، من غزة إلى البحر الأحمر، مرورًا بملفات إيران والولايات المتحدة ومع ذلك، فإنها لا تستطيع، في الوقت ذاته، أن تتجاهل خرقًا إسرائيليًا دون رد، لأن ذلك من شأنه أن يُضعف معادلة الردع التي قامت عليها توازنات السنوات الماضية.


وهنا تظهر ما يمكن تسميته بـ"سياسة الحافة الدقيقة"، حيث تسعى المقاومة إلى الرد بقدر محسوب، يحفظ التوازن دون أن يجر المنطقة إلى حرب مفتوحة ، إنها معادلة دقيقة، تقوم على إرسال رسالة واضحة بأن قواعد الإشتباك لا يمكن تجاوزها دون ثمن، وفي الوقت نفسه إبقاء الباب مواربًا أمام التهدئة.


لكن السؤال الأكثر إثارة للجدل، وربما الأكثر عمقًا، يتعلق بالمستقبل السياسي للبنان، وبالدور الذي يمكن أن يلعبه رئيسه في هذه المرحلة هل يمكن أن يسير الرئيس اللبناني على خطى الرئيس الراحل أنور السادات، في إتجاه تطبيع العلاقات مع إسرائيل؟


الإجابة هنا ليست بسيطة، بل تتطلب قراءة دقيقة للفروق بين السياقين ،السادات عندما أتخذ قراره التاريخي، كان يقود دولة مركزية قوية، تمتلك قرارها السيادي، وتخوض حربًا تقليدية أنتهت إلى توازن عسكري سمح بفتح باب التسوية ، أما لبنان، فهو كيان مركب، تتداخل فيه الطوائف، وتتشابك فيه الولاءات، وتتنازع فيه القوى الداخلية والخارجية.


ثم إن البيئة الإقليمية نفسها قد تغيرت ، ففي زمن السادات، كانت القضية الفلسطينية في قلب الصراع العربي الإسرائيلي، وكان السلام يُطرح بإعتباره خيارًا إستراتيجيًا لإستعادة الأراضي، أما اليوم، فإن المشهد أكثر تعقيدًا، حيث تتراجع فكرة الحل الشامل، وتحل محلها ترتيبات جزئية، وإتفاقات منفردة، لا تعالج جوهر الصراع بقدر ما تعيد ترتيبه.


الرئيس اللبناني، في هذا السياق، لا يمتلك هامش المناورة ذاته الذي إمتلكه السادات. فقرار التطبيع في لبنان لا يمكن أن يكون قرارًا فرديًا، بل هو مسألة ترتبط بتوازنات داخلية دقيقة، وبمواقف قوى فاعلة، في مقدمتها المقاومة، التي ترى في الصراع مع إسرائيل مسألة وجودية، وليست مجرد خلاف سياسي قابل للتسوية.


ومن هنا، فإن الحديث عن "سيناريو السادات" في لبنان يبدو أقرب إلى الطرح النظري منه إلى الإحتمال الواقعي،  فلبنان بطبيعته وتركيبته، لا يسمح بمثل هذا التحول الجذري دون توافق داخلي واسع، وهو أمر يبدو بعيد المنال في الظروف الحالية.


يبقى السؤال: إلى أين تتجه الأمور؟
المشهد في حقيقته، مفتوح على عدة إحتمالات. فإما أن تستمر حالة "اللا حرب واللا سلم"، حيث تتكرر الخروقات والردود المحدودة، ضمن سقف محسوب، أو أن يحدث خطأ في الحسابات، يؤدي إلى تصعيد غير محسوب، قد يتطور إلى مواجهة أوسع.


وفي كلا الحالتين، يظل الجنوب اللبناني مرآة تعكس حالة الإقليم بأسره: توتر دائم، توازن هش، وحروب مؤجلة لا تنتهي، بل تتجدد بأشكال مختلفة.
هكذا، يبقى الجنوب اللبناني، مرة أخرى، على خط النار، لا لأنه يريد الحرب، بل لأنه يقع في قلب صراع لم تُحسم فصوله بعد.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

لبنان بين هدنةٍ مكسورة ..وطريق غامض ..ورئيس يسير على خطي السادات

بقلم ياسر بركات