حين تتحدث الأرض بالجنوب ... مغامرة بطل تحرج تكنولوجيا الآلة وتغير قواعد اللعبة
حين نتأمل المشهد الممتد اليوم من تلال الجنوب اللبناني إلى غرف صناعة القرار في تل أبيب، ومن ثم إلى أروقة الدبلوماسية الخلفية المشحونة بين واشنطن وطهران، فإننا لسنا أمام مجرد تفاصيل يومية لصراع مسلح، بل نحن بصدد فصل جديد من فصول حسابات الدم والنار التي تحكم هذه المنطقة منذ عقود ،
نحن أمام تحول جذري في قواعد الإشتباك؛ حيث أصدر المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر تفويضًا غير مسبوق للمؤسسة العسكرية يقضي بالرد الفوري والمباشر بقصف العاصمة اللبنانية بيروت وتحديدًا الضاحية الجنوبية إزاء إطلاق أي صاروخ يعبر الحدود من لبنان، ودون الحاجة لأي موافقة أو غطاء سياسي مسبق،
إن هذا القرار، بالمعايير الإستراتيجية، يمثل محاولة إسرائيلية لفرض معادلة توازن رعب جديدة، عبّر عنها وزير الدفاع الإسرائيلي بوضوح حين قال إن مصير الضاحية في بيروت هو نفس مصير بلدات الشمال ، هذا التفويض التلقائي للآلة العسكرية يختزل زمن الإستجابة السياسية، ويلغي هوامش المناورة التي كانت تتيح للدبلوماسية الدولية التدخل لضبط الإيقاع قبل إنفراط عقد الأمور ،إنه بكلمات أخرى وضع المنطقة برمتها على الزناد ،
في اللحظة نفسها التي كانت فيها الغرف المغلقة في تل أبيب تصيغ هذا التهديد الوجودي، كانت الأرض في جنوب لبنان تتحرك تحت أقدام مغايرة ، فقد نجح مقاتل من الجنوب اللبناني، في عبور ما يُعرف بـ الخط الأزرق والإشتباك المباشر مع القوات الإسرائيلية المتمركزة داخل الأراضي المحتلة.
هذا الحدث، وإن بدا في ظاهره فعلًا موضعيًا أو مغامرة فردية، إلا أنه يحمل في طياته دلالة رمزية وعملية فائقة الخطورة ، إنه يعكس أولًا حالة السيولة الأمنية على طول الحدود التي شهدت توغلات إسرائيلية واسعة وصلت في الأيام الماضية إلى قلعة الشقيف التاريخية ، وثانيًا، يثبت هذا الإشتباك أن العقيدة القتالية في الجنوب لم تنكسر برغم آلاف الغارات الجوية وسياسة الأرض المحروقة التي طالت القرى الأمامية ، إن إختراق بطل لبناني كما تسميه الشوارع المشتعلة بالجنوب وتلاحمه مع الدبابات والجنود المحصنين، يرسل رسالة واضحة للـكابينت الإسرائيلي: إن الخطوط التي ترسمونها على الخرائط باللون الأحمر، قابلة للإختراق والإمتزاج بدماء الميدان في أي لحظة.
هذا التصعيد الميداني المتزامن يقع مباشرة في قلب ميدان الجاذبية الدبلوماسي الذي تحاول الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب نسجه ،والذى يضغط بكل ثقله لفرض وقف إطلاق نار شامل ولتحقيق صفقة كبرى بين واشنطن وطهران ، غير أن هذه المفاوضات تبدو اليوم كأنها مصلوبة على جدار الأزمات المشتعلة في لبنان وإيران،
إن طهران، التي خاضت في الساعات الأخيرة تبادلاً مباشرًا للضربات الصاروخية مع إسرائيل شملت مدنًا إيرانية كبرى كأصفهان وتبريز، إشترطت صراحة وتكرارًا ألا يبرم أي إتفاق سلام أو تهدئة مع واشنطن ما لم يكن لبنان والداخل اللبناني جزءًا أصيلاً منه ، وفي المقابل، تصر إسرائيل على فصل المسارات، متمسكة بما تصفه حق الدفاع عن النفس ومواصلة العمليات البرية لتفكيك البنية التحتية لحزب الله حتى نهر الليطاني وما بعده،
وهنا تكمن العقدة الإستراتيجية؛ كيف يمكن لقطار المفاوضات الأمريكية الإيرانية أن يصل إلى محطته الأخيرة بينما القضبان في بيروت والجنوب تحترق؟
إن قرار إسرائيل بقصف بيروت تلقائيًا يعني أن أي فصيل، أو أي قذيفة طائشة، أو حتى سوء تقدير في الميدان، كفيل بجر العاصمة اللبنانية إلى أتون الحرب الشاملة، وهو ما سيجبر إيران حتمًا على الرد بضرب عمق إسرائيل لحفظ ماء وجه الردع، هذا الدوران في الحلقة المفرغة يحول جهود ترامب الدبلوماسية من مشروع سلام مستدام إلى مجرد إطفاء حرائق مؤقت لا يصمد أمام أول إختبار للنار.
إننا أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة لتبعات هذه التطورات الميدانية والسياسية ،
سيناريو الإنفجار الشامل وهو أن تؤدي عملية التفويض العسكري الإسرائيلي إلى قصف مدمر لبيروت إثر أي قذيفة من الجنوب، مما يفرط عقد التهدئة الهشة بالكامل، ويدفع إيران وحلفاءها في المنطقة بما في ذلك الحوثيين في اليمن والفصائل في العراق لشن هجوم منسق واسع النطاق، فتتحول الحرب من مواجهة حدودية إلى حرب إقليمية كبرى تطيح بكل طاولات التفاوض في واشنطن،
سيناريو حافة الهاوية الممنهجة وفيه يمارس الطرفان إسرائيل وحزب الله ومن ورائه إيران لعبة حافة الهاوية بذكاء وحذر؛ بحيث يمتنع حزب الله عن إطلاق الصواريخ التي قد تبرر لإسرائيل تدمير بيروت، مستعيضًا عن ذلك بعمليات نوعية وإشتباكات حدودية كالتي جرت اليوم، بينما تواصل إسرائيل عملياتها البرية دون تجاوز الخطوط الحمراء القاتلة، وذلك بإنتظار نضوج التفاهمات الأمريكية الإيرانية.
سيناريو التسوية القسرية تحت ظلال النار أن تنجح الضغوط الأمريكية العنيفة والتي تضمنت وفق تسريبات صحفية توبيخًا حادًا من ترامب لنتنياهو لمنعه من غزو بيروت بالكامل في فرض صيغة تراجع متبادل؛ تنسحب بموجبها القوات الإسرائيلية إلى الحدود مقابل ترتيبات أمنية صارمة تضمن عدم وجود سلاح ثقيل جنوب الليطاني، مع إسناد الأمن للجيش اللبناني بغطاء دولي.
إن الدرس الأكبر الذي يعلمنا إياه تاريخ هذا الصراع، والمدون بوضوح في دفاتر المفاوضات منذ عام 1982 وحتى حرب 2006 وصولاً إلى معارك اليوم في عام 2026، هو أن القوة العسكرية الغاشمة وحدهـا، ومهما بلغت قدرتها التدميرية، لا يمكنها أن تصنع سلامًا أو تحقق أمنًا دائمًا ، إن تفويض الجيش الإسرائيلي بقصف بيروت دون إذن سياسي قد يرضي غرور اليمين المتطرف في حكومة تل أبيب، لكنه لن يحل معضلة صواريخ الشمال، بل سيزيد من عمق المأزق الإسرائيلي.
إن أمن إسرائيل لن يتحقق بتدمير بيروت، كما أن إستقرار لبنان لن يقوم طالما بقيت جراحه نازفة في الجنوب وطالما بقيت أرضه مستباحة ، إننا نعيش ساعات حرجة، فإما أن تنتصر لغة العقل والسياسة وتدرك الأطراف أن ثمن السلام أقل بكثير من كلفة الإنفجار، وإما أن تترك المنطقة لجنرالات الحرب يكتبون مستقبلها بنيران صواريخهم، وحينها لن ينجو أحد من الحريق