من مقدسات إيران إلى صحراء العراق ... ترامب ونتنياهو وحريق الإقليم وهدم أركان النظام الدولى

الموجز

ما يجري في هذه الأيام يتجاوز مجرد مواجهة عسكرية محدودة ،إننا نشهد محاولة لإعادة كتابة خريطة الإقليم بالحديد والنار، بقيادة ثنائي مجرم يمثل في الوجدان السياسي العالمي ذروة التهور الإستراتيجي دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو،

إن تعمد الإقتراب من الرموز والمقامات الدينية في الداخل الإيراني لم يكن مجرد خطأ في التوجيه أو تحصيل حاصل للضربات المساحية، بل هو سلوك يستهدف كسر الرمزية السياسية والعقائدية للخصم ، القصف الذي طال نطاقات ذات حساسيات روحية ينطوي على إستراتيجية الصدمة والترويع لإجبار طهران على الإستسلام، بيد أنه يقود في الواقع إلى التعبئة الشعبية المضادة وتأجيج صراع لا يمكن إطفاؤه.

كما أن فتح الملاجئ في عمق المدن الإسرائيلية ليس مجرد إجراء إحترازي لردع الصواريخ والمسيرات الإيرانية؛ بل يقدم دليلاً كاملاً على أن إستراتيجية الحرب الخاطفة التي طالما تبنتها نخب تل أبيب قد سقطت تماماً ، إسرائيل اليوم باتت تعيش تحسباً دائمًا لضربات ردعية تجعل كل مستوطن وكل مدينة داخل نطاق النار،

العمليات التكتيكية الأخيرة التي تحدثت عنها التقارير الميدانية بشأن إنزال جوي لقوات أمريكية خاصة في صحراء النخيب والمناطق الحدودية غربي العراق تُظهر محاولة واشنطن إحكام السيطرة على الممرات البرية بين إيران وشبه الجزيرة والشرق العربي ، إنها محاولة لقطع شرايين الإمداد والربط الجغرافي، لكنها في الوقت نفسه ورّطت القوات الأمريكية في الرمال المتحركة لصحراء العراق، متسببة في صدامات مع القوات الوطنية وفتح جبهة إستنزاف جديدة.

إن الأسلوب الذي يتبعه ترامب بتنسيق عضوي مع نتنياهو يعكس إنحرافاً حاداً عن قواعد العلاقات الدولية المعاصرة،

فإستهداف الرموز الدينية، والإعتداء على سيادة الدول المجاورة مثل العراق عبر إنزالات جوية وضربات صاروخية، يجرد المنظومة الدولية من أية شرعية أخلاقية أو قانونية ، تصبح القوة العريضة هي المعيار الوحيد.

إدارة ترامب وحكومة نتنياهو تخوضان حرباً مدفوعة بغايات سياسية وشخصية ضيقة ، وغياب تصور واضح لما بعد الضربات العسكرية يجعل من فتح الملاجئ والإستنفار الدائم حالة مستمرة، ويحول الشرق الأوسط إلى بؤرة إشتعال ممتدة تؤثر على خطوط الملاحة وطرق الطاقة والتجارة العالمية.

لن تستطيع إسرائيل تحقيق الأمان الكامل بفتح الملاجئ وتوسيع دائرة النار، وتحويل المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة يعطي الخصوم دافعاً وجودياً للرد المبتكر، مما ينسف أي إستقرار إقتصادي أو مجتمعي داخل تل أبيب.

كما أن تحويل الأراضي العراقية إلى مسرح لعمليات الإنزال والتجسس والإشتباك سيعجل بإنهاء أي غطاء شرعي للوجود الأمريكي في المنطقة، ويضع القوات الأمريكية أمام مواجهات شعبية وميدانية غير محسوبة المدى،

وسيشهد التاريخ  أن ترامب ونتنياهو لم يكتفيا بإيقاد الحرائق في الجغرافيا الإقليمية، بل دَمَّرا معاً المؤسسات الدولية والأعراف المستقرة منذ الحرب العالمية الثانية، تاركين العالم أمام فوضى شامِلة لا يحكمها قانون.

إن القوة الغاشمة قد تجتاح سماء العواصم، وتدمر المباني، وتنفذ الإنزالات المباغتة، بل وقد تنال من المقدسات والرموز؛ لكن القوة وحدها لم تكن يوماً صانعة للتاريخ أو جالبة للسلام.

 

سوف يذكر التاريخ أن لحظة جنون القوة التي مثّلها ترامب ونتنياهو لم تكن سوى الزناد الذي أطلق شرارة التحول الكبير نحو عالم متعدد الأقطاب، يلفظ الهيمنة، ويصنع معادلاته بعيداً عن إملاءات البارود.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

من مقدسات إيران إلى صحراء العراق ... ترامب ونتنياهو وحريق الإقليم وهدم أركان النظام الدولى

بقلم ياسر بركات