بين هدنة الحرب وشبح الإنقسام.. واشنطن وطهران:مفاوضات بلا إتفاق

ياسر بركات
ياسر بركات

في لحظة تبدو فيها السياسة الدولية وكأنها تتحرك على حافة سكين، تعود المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى الواجهة، ولكن ليس بإعتبارها مجرد جولة دبلوماسية تقليدية، بل بوصفها إمتدادًا لصراع مفتوح تتداخل فيه حسابات الحرب مع رهانات الداخل في كلٍ من واشنطن وطهران، إننا لسنا أمام مفاوضات تبحث عن إتفاق، بقدر ما نحن أمام صراع على تعريف “شروط التهدئة” قبل أن تبدأ لغة التسويات.


أولًا: 

 قنوات الإتصال بين الولايات المتحدة وإيران ما زالت مفتوحة، لكنها تدار بشكل غير مباشر، وغالبًا عبر وسطاء إقليميين، في ظل إنعدام الثقة بين الطرفين. فالجولة الأخيرة من الإتصالات لم تنتهِ إلى إتفاق واضح، بل كشفت عن فجوة أساسية: إيران تريد وقف الحرب ورفع الضغوط أولًا، ثم الإنتقال إلى الملف النووي، بينما تصر واشنطن على العكس تمامًا. 


هذا التباين ليس تفصيلًا تقنيًا، بل يعكس إختلافًا في فلسفة التفاوض: هل يتم تفكيك الأزمة تدريجيًا، أم فرض حل شامل منذ البداية؟ وهنا تتجلى العقدة الرئيسية التي تعطل أي تقدم.


ثانيًا: 


السؤال الأكثر حضورًا  ليس حول مضمون الإتفاق، بل حول “من يملك القرار داخل إيران”،  الواضح  وجود تعدد في مراكز القرار، وعدم وضوح الجهة القادرة على الإلتزام بأي اتفاق. 


بل إن بعض التقديرات تذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن هناك إنقسامًا فعليًا بين التيار التفاوضي من جهة، والمؤسسة العسكرية ممثلة في الحرس الثوري من جهة أخرى، حيث يضغط الأخير بإتجاه مواقف أكثر تشددا، ليصبح الحرس الثوري اللاعب الأكثر تأثيرًا في صنع القرار، خاصة بعد التغيرات الكبرى في هيكل القيادة الإيرانية خلال الحرب. 
لكن في المقابل، ترفض طهران رسميًا هذا الطرح، وتؤكد أن الحديث عن إنقسام هو جزء من “الحرب النفسية” التي تمارسها واشنطن. 


وهكذا، نحن أمام روايتين:
رواية أمريكية: إيران منقسمة، وهذا يعرقل التفاوض
رواية إيرانية: النظام متماسك، والحديث عن الإنقسام دعاية سياسية،
والحقيقة تقع في منطقة وسطى: ليس إنقسامًا بالمعنى التقليدي، لكنه صراع نفوذ داخل بنية معقدة


ثالثًا: 


داخليًا، تبدو إيران في حالة توازن هش بين ضرورات الإقتصاد وضغوط الأيديولوجيا. فالعقوبات والحرب أثرت بوضوح على الإقتصاد، ما يدفع بعض النخب إلى تبني مسار تفاوضي أكثر مرونة. في المقابل، ترى القوى المحافظة أن أي تنازل قد يهدد بنية النظام ذاته.
هذا التوتر ينعكس على المفاوضين الإيرانيين، الذين يتحركون في مساحة ضيقة بين مطلبين متناقضين:
الحفاظ على بقاء النظام إقتصاديًا
وعدم تقديم تنازلات تمس “الهوية الثورية”
ولذلك، تبدو الوفود الإيرانية  وكأنها تفاوض وهي تحت ضغط داخلي مزدوج. 


رابعًا: 


أما في الولايات المتحدة، فالمشهد لا يقل تعقيدًا. فإدارة الرئيس دونالد ترامب تتعامل مع الملف الإيراني في سياق داخلي حساس، حيث يسعى الرئيس إلى تحقيق إنجاز سياسي دون الظهور بمظهر المتنازل.
وتكشف التقارير أن هناك تباينات داخل الإدارة نفسها، خاصة بين من يفضل إستمرار الضغط العسكري، ومن يرى ضرورة إعطاء فرصة للدبلوماسية، وهو ما ينعكس في تذبذب الموقف الأمريكي بين التصعيد والتهدئة. 
كما أن رفض ترامب للمقترح الإيراني الأخير يعكس هذا التوازن الصعب، إذ لا يريد القبول بإتفاق يُفسر داخليًا على أنه تراجع. 


خامسًا: 


في التحليل النهائي، لم تعد المفاوضات منفصلة عن الحرب، بل أصبحت جزءًا منها. فكل طرف يحاول إستخدام المسار التفاوضي لتحقيق مكاسب ميدانية أو سياسية.
إيران تستخدم ورقة مضيق هرمز والملف النووي كورقة ضغط، بينما تستخدم واشنطن العقوبات والتفوق العسكري لفرض شروطها. 
وهنا يمكن فهم سبب تعثر المفاوضات: لأنها لا تدار بمنطق “حل النزاع”، بل بمنطق “إدارة الصراع”.


سادسًا: 


المؤشرات الحالية لا توحي بقرب إتفاق شامل، بل ترجح إستمرار الوضع في حالة “اللاحسم”:
لا حرب شاملة
ولا سلام حقيقي
وقد نشهد صيغة مؤقتة تقوم على خطوات محدودة، مثل هدنة أو تفاهمات جزئية، دون الوصول إلى إتفاق نهائي.
لكن العامل الحاسم سيظل داخليًا في المقام الأول:
في إيران: هل ينجح النظام في توحيد مركز القرار؟
في أمريكا: هل يقرر البيت الأبيض تقديم تنازل تكتيكي؟
في النهاية، تبدو المفاوضات الأمريكية الإيرانية وكأنها مرآة تعكس أزمات الداخل في البلدين، أكثر مما تعكس خلافًا بين دولتين.
ففي طهران، السؤال هو: من يحكم؟
وفي واشنطن، السؤال هو: بأي ثمن يمكن تحقيق نصر سياسي؟
وبين هذين السؤالين، تتحرك الدبلوماسية ببطء، بينما يبقى الشرق الأوسط معلقًا بين احتمالين:
إما صفقة مؤجلة… أو انفجار مؤجل.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

بين هدنة الحرب وشبح الإنقسام.. واشنطن وطهران:مفاوضات بلا إتفاق

بقلم ياسر بركات