الساعات الحرجة .. خيارات البيت الأبيض الصعبة بين شروط المقترح الإيراني ومحاذير الإنزلاق إلى الحرب الشاملة
حين نتأمل مشهد العلاقات الدولية في هذه الساعات الحاسمة، لا نجد أنفسنا أمام مجرد أزمة سياسية طارئة، بل نحن بصدد مواجهة كبرى فوق الهضبة الإيرانية الوعرة، حيث تتداخل الجغرافيا والتاريخ مع المصالح الكونية الحيوية ، إن المنطقة بأسرها تقف اليوم، على حافة تفصل بين خيارين لا ثالث لهما إما تسوية جراحية دقيقة وشجاعة، وإما إنفجار شامل قد يعيد صياغة خرائط الشرق الأوسط لعقود قادمة.
إن القراءة المتأنية تؤكد أننا نعيش لحظة تولد فيها السياسة من رحم الصدام المسلح الذي بدأ في الثامن والعشرين من فبراير الماضي. ولم يعد السؤال اليوم هل تقع الحرب؟، بل السؤال الأعمق والأخطر هوكيف يمكن الخروج من هذه المواجهة دون سقوط الهيكل بأكمله على رؤوس الجميع؟
من القناة الدبلوماسية المعتادة عبر العاصمة الباكستانية إسلام آباد، دفعت طهران بورقة سياسية بالغة الذكاء والتعقيد، وهي المقترح المكون من أربعة عشر بنداً، رداً على المقترح الأمريكي المبدئي. هذه النقاط لا تمثل مجرد شروط لوقف إطلاق النار، بل هي رؤية إستراتيجية إيرانية لإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة،
المقترح الإيراني يرتكز على ركائز واضحة،
إنهاء الحرب لا تأجيلها ترفض طهران بحسم فكرة الهدنة المؤقتة لمدة شهرين التي طرحتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، وتطالب بجدول زمني صارم لا يتجاوز 30 يوماً لتسوية القضايا الجوهرية والوصول لإنهاء كامل للحرب.
ويشترط المقترح وقف العمليات العسكرية على كافة الجبهات، بما فيها لبنان، واليمن، والعراق؛ رغبة من طهران في تأكيد أنها الرقم الصعب في المعادلة الإقليمية،
يبدي المقترح إستعداداً لوضع بروتوكول أمني لإعادة فتح مضيق هرمزوضمان حرية الملاحة الدولية، لكن بشرط الإعتراف بالإشراف والإدارة الإيرانية للممر المائي الحيوي لنقل النفط العالمي،
وتشترط الوثيقة الإيرانية رفعاً كاملاً وشاملاً لكافة العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة في الخارج، بل وتطالب بدفع تعويضات حرب كاملة لإيران عن الأضرار الناجمة عن الضربات العسكرية.
تقترح طهران فصلاً ذكياً لمعالجة البرنامج النووى على مرحلتين ؛ المرحلة الأولى تشمل وقف الحرب والإنسحاب الأمريكي من محيط إيران، والمرحلة الثانية تفتح الباب لمناقشة الملف النووي، شريطة الحفاظ على حقها المشروع في تخصيب اليورانيوم وفق معاهدة حظر الإنتشار النووي،
إن إيران بهذه النقاط تحاول أن تقول لواشنطن نحن تحت الحصار والضربات، لكننا لم ننكسر، وأي حل لا يضمن موقعنا الإقليمي لن يمر،
على الجانب الآخر من الأطلسي، يعيش البيت الأبيض حالة من الإستنفار غير المسبوق مجلس الأمن القومي الأمريكي يجتمع في غرف عمليات محصنة لتقييم هذا المقترح المتكامل، في ظل تسريبات من دوائر صنع القرار تُشير إلى أن الخيارات تضيق
فتيار الصقور يرى أن المقترح الإيراني في صيغته الحالية يمثل شروط المنتصر، وهو أمر لا يمكن لإدارة ترامب القبول به، خاصة فيما يتعلق بمسألة دفع التعويضات والقبول بجدول الـ 30 يوماً. هذا التيار، المدعوم بضغوط إسرائيلية واضحة عبّر عنها وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بالتلويح بإستئناف العمليات العسكرية قريباً، ويرى أن الضغط العسكري يجب أن يستمر لإجبار إيران على تقديم تنازلات حقيقية في ملفها النووي، تشمل إغلاق المنشآت الحيوية ونقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج،
بينما تيار الواقعية السياسية وهو التيار الذي يدرك كلفة إستمرار إغلاق مضيق هرمز على الإقتصاد العالمي وأسعار الطاقة ومعدلات التضخم في الغرب. هذا التيار يرى في الرد الإيراني أرضية صالحة للتفاوض عبر التعديلات، وهو ما جرى بالفعل؛ حيث أرسلت واشنطن مجموعة من التعديلات والملاحظات عبر الوسيط الباكستاني، لتبقى شعرة معاوية الدبلوماسية مشدودة ولم تنقطع بعد.
إن الساعات القادمة، هي ساعات الحقيقة ، فالموقف لا يحتمل المناورات الطويلة؛ إما أن تنجح الدبلوماسية القائمة خلف الكواليس في صياغة حل وسط يجمع بين الإصرار الأمريكي على تقييد الطموح النووي الإيراني وبين المطلب الإيراني بإنهاء الحرب ورفع الحصار، وإما أن نكون أمام إنهيار كامل للمفاوضات،
إذا إنهارت هذه الجهود الدبلوماسية عبر الوسيط الباكستاني، فإن السيناريو البديل جاهز في الأدراج، وهو العودة إلى لغة السلاح بشكل أعنف، وتوسيع رقعة الإستهداف لتشمل البنية التحتية النفطية والنووية في عمق الهضبة، وهو ما سيجابه برَد إيراني قد يحرق خطوط إمدادات الطاقة العالمية،
إن القوة العسكرية في عصرنا الحديث لم تعد قادرة وحدها على حسم الصراعات الكبرى دون رؤية سياسية واضحة ومستوعبة لحقائق التاريخ والجغرافيا ، المقترح الإيراني يمثل مناورة بالغة التعقيد، والرد الأمريكي المنتظر في مجلس الأمن القومي سيتجاوز حدود الصراع الحالي ليرسم ملامح النظام الدولي الجديد.
في نهاية المطاف، نعود لنؤكد أن الحروب لا تنتهي في ساحات المعارك فحسب، بل تنتهي دائماً حول طاولات المفاوضات. إن النقاط الأربع عشرة التي طرحتها طهران، والردود والردود المضادة التي تتدفق بين واشنطن وطهران عبر القنوات الدبلوماسية السرية والعلنية، تكشف أن الطرفين يدركان فداحة الكلفة الإنسانية والإقتصادية والسياسية للإستمرار في هذا الصراع المفتوح
الساعات القادمة ليست مجرد وقت يمر على ساعات الحائط في واشنطن وطهران، بل هي دقائق تاريخية صعبة، تتطلب رجالاً يمتلكون شجاعة الرؤية وبُعد النظر، لتجنب الإنزلاق نحو هاوية سحيقة لن يخرج منها أحد منتصراً، إنها لحظة الإختيار الكبرى بين سلام الشجعان القائم على التوازن، أو الدمار الشامل الذي يهدد بحرق الجميع