زلزال الشرق الأوسط والوساطة الحرجة.. قراءة في الملفات السرية للرحلة الباكستانية المزدوجة
إن منطقة الشرق الأوسط لا تعيش اليوم مجرد أزمة سياسية عابرة، بل إنها تقف وسط ممر عاصف يعاد فيه تشكيل النظام الدولي بأسره وحين تتشابك خيوط النيران من شواطئ البحر المتوسط حتى مضيق هرمز، فإن الحركة على رقعة الشطرنج الإقليمية لا تصبح مجرد صدفة أو بروتوكول، في هذه اللحظة الحرجة من عام 2026، إلتفتت أنظار العواصم الكبرى إلى إسلام آباد.
ولم يكن الإلتفات مبعثه قوة باكستان الإقتصادية، وإنما موقعها الفريد كجسر يمتد بين جغرافيا ملتهبة وقوى عظمى تتحفز خلف الستار ، إن الهبوط المتزامن لرئيس الأركان والقيادة العسكرية الباكستانية في طهران، متزامناً مع حزم رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، حقائبه متوجهاً إلى بكين، ليس مجرد جولة دبلوماسية؛ بل هو أمر عمليات سياسي وإستخباري بالغ الأهمية، يحمل في طياته أسراراً تمس مباشرة مستقبل الصراع المحتدم في الشرق الأوسط.
إن زيارة الوفد العسكري والأمني الباكستاني رفيع المستوى إلى طهران كانت محاولة لمنع إنفجار شامل بعد جولات الصراع الأخيرة والتوترات العسكرية المباشرة بين واشنطن وإيران
باكستان، ومن خلال ما عُرف بـ محادثات إسلام آباد للسلام، وجدت نفسها فجأة في دور الوسيط الإجباري ، إن القيادة الباكستانية لم تذهب إلى طهران بجدول أعمال محلي، بل ذهبت وهي تحمل في جعبتها تفاصيل مبادرة أمريكية غير معلنة تتألف من نقاط حرجة تتعلق بتهدئة الجبهات، وفتح ممرات الملاحة في مضيق هرمز، ووضع خطوط حمراء للمشروع النووي الإيراني في مقابل تخفيف الحصار البحري.
باكستان تمارس ما يمكن تسميته سراب الحياد ، فبينما تحاول طمأنة طهران كجار جيرته حتمية، فإنها مرتبطة بإلتزامات دفاعية عميقة مع خصوم إيران الإقليميين في الخليج ، ومن هنا، فإن السر الحقيقي وراء زيارة طهران هو رغبة باكستان في تجنب شظايا الإنفجار؛ لأن أي حرب شاملة تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران تعني تدفق ملايين اللاجئين عبر حدود بلوشستان، وتحول باكستان نفسها إلى ساحة حرب بالوكالة لا تملك تكلفتها.
وبينما كان الغبار لم يهدأ بعد في مطار طهران، كان رئيس الوزراء الباكستاني يتأهب للإقلاع نحو بكين , في العرف السياسي، تلجأ الدول إلى حليفها الأكبر إما لطلب النجدة الإقتصادية، أو لتنسيق خطوة إستراتيجية كبرى ، وفي هذه الحالة، فإن الأمرين معاً كانا حاضرين.
زيارة شريف لبكين تأتي في أعقاب قمم منفصلة عقدها الرئيس الصيني شي جين بينج مع قادة القوى العظمى كـ دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، حيث إحتل ملف حرب الشرق الأوسط وتأثيره على الطاقة العالمية الصدارة.
إن الصين، التي تستورد شريان حياتها من نفط الخليج عبر مضيق هرمز، لا يمكنها أن تقف متفرجة على حريق يلتهم إستثماراتها في الحزام والطريق ، من هنا ذهب رئيس الوزراء الباكستاني إلى بكين ليحصل على الضوء الأخضر والتأييد السياسي لجهود الوساطة التي تبذلها بلاده ، الصين تدرك أن باكستان هي الورقة الأنسب للحديث مع واشنطن وطهران في آن واحد؛ فبكين لا تريد مواجهة مباشرة مع الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط، ولكنها تستخدم إسلام آباد كـ ممتص للصدمات لضمان عدم إنهيار الدولة الإيرانية، وضمان إستمرار تدفق النفط، وحماية الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني الذي يمثل درة التاج في الإستراتيجية الآسيوية لبكين.
إن التدخل الدبلوماسي الباكستاني، المدعوم صينياً، نجح مؤقتاً في إيجاد قنوات إتصال خلفية مباشرة بين الحرس الثوري الإيراني والبنتاجون ، هذا التواصل يقلل من فرص سوء التقدير الذي قد يؤدي إلى حرب إقليمية كبرى تتداخل فيها الصواريخ الباليستية مع الأساطيل البحرية.
لكن الأثر الباكستاني يظل محدوداً ومحفوفاً بالمخاطر؛ لأن إسلام آباد تتحرك على حبل مشدود، هي تريد إرضاء واشنطن للحصول على دعم صندوق النقد الدولي، وتريد إرضاء بكين لحماية إستثماراتها، وتريد تهدئة طهران لمنع الإضطرابات الحدودية ، هذا التناقض البنيوي يجعل الوساطة الباكستانية هشة قد تنهار عند أول قصف صاروخي متبادل.
إن نجاح باكستان في تهدئة جبهة الشرق الأوسط هو في حقيقته إنتصار غير مباشر للدبلوماسية الصينية ، بكين تبتعد عن الصخب الإعلامي، وتترك لإسلام آباد واجهة المشهد، لكنها في العمق تمسك بخيوط اللعبة، مما يعزز الإستقطاب الدولي في المنطقة ويجعل الشرق الأوسط ساحة ممتدة للصراع الكبير بين الشرق والغرب.
يمكننا القول إن أسرار التحرك الباكستاني صوب طهران وبكين تكشف لنا أن صراع الشرق الأوسط لم يعد صراعاً محلياً، بل تحول إلى نقطة الإرتكاز في ميزان القوى العالمي، باكستان، بمؤسستها العسكرية العميقة وقيادتها السياسية، تحاول في هذه اللحظات الحرجة أن تلعب دور صمام الأمان في إقليم يغلي فوق فوهة بركان ، إنها تتحرك مدفوعة بغريزة البقاء أولاً، وبإيعاز من القوى العظمى ثانياً ، ولكن، وكما علمتنا دروس التاريخ ونحن ننظر إلى خريطة هذه المنطقة المجهدة، فإن النوايا الدبلوماسية وحدها لا تكفي لإطفاء الحرائق إذا كانت إرادات القوى المتصارعة قد حسمت خياراتها نحو المواجهة.
إن الأيام بل والساعات القادمة، وما ستسفر عنه جولات التفاوض تحت الطاولة وفوقها، هي التي ستجيب عما إذا كان هذا التحرك الباكستاني سيعيد الهدوء إلى مياه الخليج والشرق الأوسط، أم أنه سيكون مجرد محاولة أخيرة لتأجيل إنفجار لا مفر منه.