صراع الأجنحة في طهران.. وعاصفة الردع الأمريكية في الخليج

ياسر بركات
ياسر بركات

تلوح في الأفق الإقليمي والدولي ملامح أزمة ليست كغيرها، أزمة تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة لتطال عصب التوازنات العالمية، إن المتأمل في مشهد الصراع الأمريكي الإيراني اليوم، لا يرى مجرد مناوشات دبلوماسية أو عقوبات إقتصادية تقليدية، بل يرى نفسه أمام لحظة الحقيقة التي تتجمع فيها سحب الحرب الكثيفة فوق هضبة إيران وجبال زاگرس، لتنذر بإنفجار قد يعيد صياغة الشرق الأوسط برمته.


إن السؤال المعلق في عواصم القرار العالمي اليوم هو: هل تكتفي واشنطن بحدود الردع الحالي، أم أنها تستعد لجولة ثانية وأشد تدميراً؟
الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تتبنى حالياً مزيجاً من الضغط الأقصى المتجدد والدبلوماسية الخشنة، وتكشف تقارير عن مؤشرات تؤكد أن خيار العمل العسكري الواسع لا يزال موضوعاً على الطاولة، وبقوة. 

الحشد العسكري غير المسبوق وإستمرار تواجد مجموعات حاملات الطائرات الأمريكية، وقطع البحرية الضخمة، والتعزيزات الجوية في نطاق القيادة المركزية مما يمثل أكبر حشد عسكري في المنطقة منذ عقود، فرض الحصار البحري المضاد رداَ على إغلاق مضيق هرمز ، مع توجيهات صارمة للجيش الأمريكي بالبقاء في حالة جاهزية قصوى لإستئناف القتال فوراً إذا إنهارت المفاوضات،
وإصرار واشنطن على شروط قاسية تشمل التفكيك الكامل لبرنامج إيران النووي عالي التخصيب، وفتح مضيق هرمز بلا قيود، وهو ما تصفه طهران بطلب الإستسلام غير المشروط، مما يرفع من إحتمالات العودة للحلول العسكرية لكسر العناد الإيراني. 


وخلف الستار الإيراني المشدود، يدور صراع مكتوم يدخل في صلب صناعة القرار، فثنائية السلطة في إيران تعيش تفاعلاً حاداً ومعقداً حول ملف التفاوض مع الولايات المتحدة.

 

تيار الرئاسة يمثله الرئيس مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي، يرى هذا التيار أن البلاد تعاني من إستنزاف إقتصادي حاد وضغوط داخلية متزايدة تغذيها الإحتجاجات الشعبية، وبالتالي، فإن المصلحة الإستراتيجية تقتضي إبداء مرونة دبلوماسية في المفاوضات ، للوصول إلى إتفاق يضمن رفع الحصار والحصول على تعويضات، مع الحفاظ على الهيكل العام للنظام.


في المقابل، يبدو الحرس الثوري ومعه النواة الصلبة للمتشددين، المقربين من المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، في موقع أكثر راديكالية ، يرى قادة الحرس أن أي تنازل في ملف تخصيب اليورانيوم أو السيطرة على مضيق هرمز هو إنتحار سياسي وإستراتيجي ، هم يؤمنون بأن إدارة التصعيد تخدم مصلحة إيران، ويصرون على شروط شبه مستحيلة في المفاوضات، مثل الإنسحاب الأمريكي الكامل من الخليج العربي كشرط للسلام المستدام، معتبرين أن الوقت يعمل لصالحهم.


هذا التفتت في هيكل إتخاذ القرار يُربك الوسطاء الدوليين؛ فبينما تحاول الخارجية الإيرانية مد الجسور عبر رسائل دبلوماسية هادئة، يقوم الحرس الثوري بمناورات بحرية خشنة في المضيق لتأكيد فرض سيطرته الميدانية، مما يجعل الإتفاق بعيد المنال حتى الآن.

نستطيع القول  أن الصراع الأمريكي الإيراني قد وصل إلى نقطة لا يمكن الرجوع منها إلى المربع القديم، فسيناريو الصبر الإستراتيجي الذي إتبعته واشنطن قد إنتهى، وحل محله نمط جديد من المواجهة المباشرة. 


نحن لسنا أمام حرب كلاسيكية شاملة بجيوش جرارة تحتل الأرض، بل أمام حرب هجينة ومستمرة  تتنقل بين ضربات جراحية تدميرية، وحصار بحري خانق، ومعارك دبلوماسية معقدة ، إن نجاح المفاوضات الراهنة يتوقف على مدى قدرة التيار البراجماتي في طهران على كبح جماح إندفاع الحرس الثوري، ومدى رغبة واشنطن في إعطاء الدبلوماسية فرصة أخيرة قبل أن تنطلق المقاتلات من جديد لتشعل ليل الخليج. الساعات  القادمة لن تحدد فقط مصير النظام في طهران، بل سترسم بالدم والنار ملامح الإقليم لعقود قادمة 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

صراع الأجنحة في طهران.. وعاصفة الردع الأمريكية في الخليج

بقلم ياسر بركات