الدبلوماسية المُلغّمة .. الساعات الحرجة بين قنابل لارك وشروط إبراهيم المستحيلة
حين كانت عقارب الساعة تقترب من منتصف ليل أمس، لم يكن الفضاء الممتد فوق مياه الخليج العربي، وتحديداً عند تلك الإنحناءة الجغرافية الحرجة المسماة مضيق هرمز، مجرد مسرح طبيعي لحركة الملاحة الدولية؛ بل كان، وللمرة الألف، خط زلازل سياسي وعسكري يوشك أن ينفجر ، في تلك الساعات القليلة الماضية، إنطلقت الشرارة مجدداً ،قاذفات أمريكية، ترافقها ترتيبات وتنسيقات إستخباراتية وعملياتية إسرائيلية مكثفة، شنت سلسلة من الضربات الجوية المركزة مستهدفة مواقع ومنصات إطلاق صواريخ وزوارق لزرع الألغام تابعة للحرس الثوري الإيراني في جنوب إيران، وتحديداً في محيط جزيرة لارك الحيوية.
هذه الضربات، التي وصفتها قيادة القوات المركزية الأمريكية بأنها إجراءات دفاعية مقيدة، جاءت لتخترق هدوء إتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي لم يكد يكمل أسبوعه السابع ، لكن القراءة المتعمقة لدفاتر السياسة والإستراتيجية تكشف لنا أن الأمر يتجاوز بكثير مجرد تدمير منصة صواريخ أو إعطاب زوارق حربية ، إننا أمام رسالة بالنار مكتوبة بحبر أمريكي إسرائيلي مشترك، موجهة بالأساس إلى طاولات التفاوض في الدوحة ومسقط، حيث تجلس الوفود الإيرانية والأمريكية لمحاولة صياغة مذكرة تفاهم تنهي الحرب وتصيغ وجهاً جديداً للإقليم.
وقبل ساعات قليلة من إنطلاق المقاتلات، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث بنبرة يملؤها التفاؤل عن قرب التوصل إلى إتفاق تاريخي ومرحلي مع طهران، يقضي بفتح الممرات المائية ورفع تدريجي للعقوبات مقابل هدنة متجددة مدتها ستون يوماً ،
إذن، كيف تلتقي لغة الدبلوماسية مع دوي الإنفجارات؟
الجواب يكمن في عقيدة الضغط الأقصى المتجدد ، واشنطن، وبتدبير ومشاركة إسرائيلية حثيثة، أرادت أن تدخل الوفد الإيراني برئاسة محمد باقر قاليباف إلى قاعة المفاوضات في قطر وهو يشعر بظلال الطائرات فوق رأسه ، إسرائيل من جانبها، بقيادة بنيامين نتنياهو، ترى في أي إتفاق مؤقت بين ترامب وطهران شركاً إستراتيجياً قد يمنح إيران فرصة لإلتقاط الأنفاس، ولذا سارعت في نفس الليلة إلى تصعيد ضرباتها ضد حزب الله في لبنان لتؤكد لطهران أن خطوط إمدادها ومحاور مقاومتها تقع تحت طائلة النار الإسرائيلية المباشرة، وأن وقف إطلاق النار في الخليج لا يعني حصانة لحلفائها في الإقليم.
لكن العقدة الحقيقية التي تفجرت في الساعات الأخيرة، لم تكن في جبهات القتال، بل في غرف الإتصال الهاتفي المغلقة ،لقد خرج الرئيس ترامب بما يمكن تسميته الأمر الإلزامي المسبق، طالباً بشكل فج وعلني من عواصم عربية وإسلامية رئيسية في مقدمتها الرياض، والدوحة، وإسلام آباد، والقاهرة، وأنقرة، وعمّان التوقيع الفوري والمتزامن على الإتفاقات الإبراهيمية وتطبيع العلاقات مع إسرائيل كجزء لا يتجزأ من أي تسوية شاملة للحرب مع إيران.
وهنا، إصطدمت الرغبة الأمريكية الجامحة بحائط الصد المتمثل في عناد الجغرافيا والتاريخ، لقد جاء الرد من العواصم العربية والإسلامية الكبرى حاسماً برفض هذا الربط القسري ،باكستان أعلنتها صراحة وبشكل علني برفض المقترح، في حين أبدت العواصم العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ومصر، تمسكاً بـ المعادلة التاريخية: لا يمكن القبول بسلام مجاني أو إقليمي واسع يتجاوز الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ولا يمكن تحويل الإتفاقات الإبراهيمية إلى صك إجبار لدخول تحالف عسكري مباشر ضد الجار الإيراني ، هذا الرفض الجماعي شكّل مفاجأة غير سارة لصانع القرار في البيت الأبيض، الذي كان يظن أن وطأة الحرب الإقتصادية والعسكرية كفيلة بفرض شروطه على الجميع.
إن الرفض العربي والإسلامي للإنخراط في الإتفاقات الإبراهيمية تحت الضغط حرم إدارة ترامب من أوراق ضغط إقليمية كان يأمل في إستخدامها لمحاصرة طهران دبلوماسياً وسياسياً ،
وأن الرسالة التي تلقتها طهران من الموقف العربي مفادها أن العواصم الخليجية والعربية الكبرى ليست في وارد الدخول في حلف عسكري هجومي تقوده واشنطن وتستفيد منه إسرائيل ،هذا الأمر يمنح الدبلوماسية الإيرانية مساحة أوسع للمناورة، وهو ما ظهر في تصريحات الخارجية الإيرانية التي أدانت الضربات وإعتبرتها خرقاً فاضحاً للهدنة ، ملوحة بالحق المشروع في الرد.
إن التفاوض الحالي يدور حول الملاحة والإقتصاد، لكن جوهر الصراع وهو مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب لا يزال مؤجلاً ، الضربات الأخيرة قد تدفع طهران إلى التمسك بورقتها النووية كضمانة وحيدة لمنع سقوط النظام، مما يجعل أي إتفاق قادم مجرد مسكن مؤقت لمرض عضال ،
عندما نضع كل هذه الخيوط فوق خريطة الشرق الأوسط، نكتشف أن ما جرى في الساعات الماضية ليس مجرد حادث عارض في حرب مستمرة، بل هو تذكير بليغ بقواعد اللعبة الإقليمية. لقد حاولت واشنطن، ومثلها إسرائيل، إستخدام القوة العسكرية المفرطة لفرض واقع سياسي جديد يتجاوز ثوابت المنطقة؛ حاولت جعل التطبيع شرطاً للسلام ، وجعل الصواريخ لغة للتفاوض.
لكن النتائج تقول عكس ذلك تماماً؛ فالنيران المقيدة في جنوب إيران لم تكسر إرادة طهران، والرفض العربي والإسلامي الحازم للإتفاقات الإبراهيمية القسرية أثبت أن دماء القضية الفلسطينية وثوابت الأمن القومي العربي لا يمكن تصفيتها بإتصال هاتفي أو بصفقة تجارية مستعجلة.
إن القطار الأمريكي الإيراني قد يواصل سيره نحو إتفاق هش في الدوحة أو مسقط، مدفوعاً برغبة ترامب في تحقيق نصر سياسي سريع، ولكن الساعات الماضية أثبتت بالدليل القاطع أن أي سلام يُصنع في المنطقة بغياب العدالة، وبقوة السلاح وحده، هو سلام يولد وفي أحشائه بذور إنفجاره القادم ، إن الجغرافيا في هذه المنطقة من العالم كما علمتنا أحداث التاريخ لا تموت، ولا تقبل بخرائط تُكتب على عجلة فوق أجنحة الطائرات المغيرة.