جنوب الصمود والمقاومة .. حين تنكسر أنياب المحتل فوق صخور الليطاني والشقيف
حين ننظر إلى خارطة الشرق الأوسط اليوم، لا نرى مجرد خطوط حدودية رسمتها مصادفات التاريخ أو توازنات سايكس بيكو، بل نرى خطوط دم ونار يُعاد رسمها بالقوة الغاشمة ، إن ما يجري على أرض الجنوب اللبناني الصامد ليس مجرد جولة عسكرية أخرى في صراع ممتد، بل هو محاولة إسرائيلية لفرض حقائق جديدة على الأرض بقوة السلاح، وتغيير المعادلات الجيوسياسية التي إستقرت لسنوات طويلة.
إسرائيل، وبدعم أمريكى ممتد، تحاول كسر عمود الخيمة في منظومة المقاومة، عبر توسيع سيطرتها الميدانية على مناطق كانت تاريخياً وعسكرياً حكراً لنفوذ وسيطرة حزب الله ، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بوجع وإلحاح ، هل تستطيع الدبابة، مهما بلغت قسوتها، أن تلغي الجغرافيا أو تطمس ملامح الهوية؟
إن الإستراتيجية الإسرائيلية الراهنة تجاوزت مفهوم الضربة الخاطفة أو الردع المؤقت ، نحن أمام عملية قضم منظم للمجال الحيوي في الجنوب اللبناني،
القوات الإسرائيلية، وعبر إندفاعات برية مكثفة مسنودة بغطاء جوي لا يهدأ، تمكنت من التقدم وتجاوز نهر الليطاني، مسيطرةً على نقاط إستراتيجية بالغة الأهمية الرمزية والعسكرية، مثل قلعة الشقيف،
تل أبيب تريد فرض أمر واقع جغرافي، يمتد بعمق يتراوح بين 5 إلى 10 كيلومترات، بهدف تفكيك البنية التحتية لـقوة الرضوان النخبة في حزب الله، وتحويل القرى الجنوبية الصامدة إلى أرض محروقة غير قابلة للحياة، لحرمان المقاومة من بيئتها الحاضنة
إن إسرائيل تسير فوق حبل مشدود؛ فالسيطرة على التلال والقمم شيء، والقدرة على الإحتفاظ بالأرض في بيئة معادية تماماً هي شيء آخر مختلف تماماً.
لا يمكن لعين منصفة أن تخطئ طبيعة الهجمة التي يتعرض لها الجنوب اللبناني ، وحجم الدمار في صور وبلدات مثل الخيام، وبنت جبيل، والناقورة، إن إستمرار القصف الإسرائيلي العنيف والممنهج لا يستهدف المقاتلين في خنادقهم فحسب، بل يستهدف الفكرة ذاتها؛ فكرة قدرة هذا المجتمع على الصمود والبقاء.
هذا القصف المتواصل، والدعوات الإسرائيلية المستمرة لإخلاء القرى والمدن الكبرى مثل النبطية، يعكسان عقلية عسكرية تريد تفريغ الأرض من أصحابها لكسر الرابط المقدس بين المقاوم والمواطن ،ومع ذلك، فأن هذا الضغط الهائل، بدلاً من أن يقلب البيئة الشعبية ضد حزب الله، فإنه يُعمّق من مشاعر العداء لإسرائيل ويجعل خيار المواجهة خياراً وجودياً لا بديل عنه.
حزب الله يعيش حالة إنحناء تكتيكي لإمتصاص شدة الضربات الجوية والبرية، لكنه لم يفقد قدرته على القيادة والسيطرة ، فالقتال في بلدات مثل الخيام أثبت للإحتلال أن الدخول إلى الجنوب ليس نزهة، وأن التكلفة البشرية والمادية لجنود الإحتلال تتصاعد يوماً بعد يوم، لدرجة أن عشرات الجنود الإسرائيليين يسقطون بين قتيل وجريح في محاولات التثبيت الجغرافي.
قد تملك الدبابة الإسرائيلية القدرة على سحق الحجر، وقد يملك الطيران الحربي القدرة على تسوية القرى بالأرض، لكن القوة الغاشمة تعجز دائماً عن إحتلال الإرادة ،
الجنوب اللبنانى ليس مجرد مساحة جغرافية تُقاس بالكيلومترات، بل هو العقيدة والمبدأ ، لقد جربت إسرائيل إحتلال الجنوب عام 1982، وبقيت فيه لسنوات، فماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة ولادة المقاومة التي دحرت الإحتلال عام 2000 دون قيد أو شرط،
إن الإندفاعة الإسرائيلية الحالية لتوسيع السيطرة، وإستمرار قصف الجنوب الصامد، قد تبدو في العناوين الإخبارية مكاسب ميدانية للإحتلال، لكنها في حقيقة الأمر غرق جديد في الرمال اللبنانية المتحركة ، فالجنوب سيبقى صامداً، والمقاومة ستبقى متجذرة في أرضها كأشجار الزيتون العتيقة، والتاريخ سيسجل مرة أخرى أن جغرافيا الحق لا يمكن أن تتنازل لمصلحة تاريخ القوة العابرة