حين تتكلم الجغرافيا بالرياضة... محمد صلاح وزلزال الهوية في الشارع التركي

ياسر بركات
ياسر بركات

لسنوات طويلة كنا ننظر إلى الإنتقالات الكبرى في عالم الرياضة بإعتبارها مجرد صفقات في أسواق المال والأعمال ، غير أن ما جرى مؤخراً في ملف إنتقال الأيقونة المصرية والعربية، محمد صلاح، من ضفاف نهر الميرسي في ليفربول إلى شواطئ البوسفور والبحر الأسود، ليس مجرد حدث رياضي يتعلق بشرط جزائي أو قيمة عقد تجاري.


إننا هنا، إذا ما أريدَ لنا أن نفهم بنشاط التحليل لا بكسل الملاحظة، أمام حدث جيوسياسي كامل الأوصاف ، حدث تتداخل فيه ديموغرافيا الشرق الأوسط مع حسابات النفوذ الإقليمي لتركيا الحديثة، وتقاطعات القوة الناعمة في لحظة تحول فارقة من تاريخ المنطقة.

 

لم تكن الفكرة تفاصيل عقد مالي يُبرم، بل كانت تتعلق برموز 
التحول ،إن الإنتقال إلى الدوري التركي، وتحديداً في ظل تزاحم عمالقة إسطنبول وطرابزون على إقتناص التوقيع التاريخي، يمثّل 
في عمقه نقطة إلتقاء فريدة بين : محاولة تثبيت أنقرة كمركز ثقل إقليمي جاذب للرموز والقيادات الثقافية والرياضية في العالم الإسلامي والشرق أوسطي.


وبين إستخدام الصورة الذهنية لأيقونة عربية إسلامية نجحت في الغرب لترميم جسور التواصل الإجتماعي والثقافي بين ضفتي العالم الإسلامي.
لقد قُرئت الصفقة بإعتبارها تحولاً في ميزان الجاذبية الثقافية بعيداً عن المركزية الأوروبية التقليدية.
لكن ، ولكي نفهم سر هذا الإنفجار العاطفي في المجتمع التركي بقدوم صلاح، يتوجب علينا قراءة الشارع التركى عبر محاور 


سيكولوجية وسياسية جادة ، محمد صلاح لا يمثل للمشجع التركي مجرد جناح مهاجم يسجل الأهداف، بل هو تجسيد حي لـ الرمز المسلم الناجح الذي إنتزع إحترام العالم في قلب أوروبا، في مجتمع يعيش مخاضاً دائماً بين الهوية الشرقية والتطلع الغربي، يُعد صلاح جسراً يجمع بين العالمية والأصالة.
وتعيش الجماهير التركية حالة من التعصب الكروي التاريخي، حيث تُمثل الأندية الكبرى بيئات للتعبير عن الهويات السياسية والإجتماعية.  لقد أحدث خبر قدوم صلاح  حالة من التعبئة الفائقة، لم تقتصر على الملاعب بل إمتدت إلى شبكات التواصل وشوارع المدن، في مظاهر إستقبال شابهت إستقبال الفاتحين.


فإستقبلت الشرائح المختلفة في المجتمع التركي النجم المصري بحفاوة تجاوزت كل التعقيدات السياسية السابقة بين القاهرة وأنقرة. غدا صلاح السفير الذي لم تُعينه وزارات الخارجية، بل عينته الإرادة الشعبية العارمة.
إننا لو تأملنا المشهد جيداً لهذه الصفقة، لن نستطيع فصلها عن السياق الإقليمي العام ، فقد باتت الرياضة في القرن الحادي والعشرين أحد أهم أسلحة الدبلوماسية العامة.


إن تدفق النجوم الكبار نحو الدوريات الشرقية والمنطقة الإقليمية يرسخ حقيقة مفادها أن مراكز الثقل الإقتصادية والجماهيرية تعيد تشكيل نفسها، لم تعد أوروبا تملك الإحتكار المطلق لرموز اللعبة، بل أصبحت عواصم المنطقة قادرة على جذب العناوين الرئيسية وإستيعاب الزلازل الجماهيرية.

 

في النهاية، يبقى محمد صلاح  بوعي أو بغير وعي  تحفة على رقعة شطرنج إقليمية متغيرة،  قدومه إلى تركيا لم يكن مجرد توقيع في كراس إنتقالات، بل كان شرارة أظهرت كم هي تواقة هذه الشعوب لرمزٍ يعيد لها الشعور بالفخر، ويجمع شتات المشاعر الإجتماعية تحت راية الشغف والرياضة.

 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

حين تتكلم الجغرافيا بالرياضة... محمد صلاح وزلزال الهوية في الشارع التركي

بقلم ياسر بركات