الخليج بين ضغوط واشنطن والتقارب مع طهران... إلى أين يتجه النفوذ الأمريكي؟
السياسة لا تُصنع بالصُدفة، والجغرافيا السياسية لا ترحم الذين يقرؤون التاريخ من منتصف الصفحات،
لقد عشنا في الأيام القليلة الماضية أمام المشهد العربي والإقليمي وهو يقف على حافة تجربة مهمة ،وهى اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي مع إيران، والذي كان مقرراً عقدُه لبحث ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز ومواجهة العاصفة المشتعلة في الإقليم ، لكن، وفجأة، تأجل الاجتماع وارتفعت علامات الاستفهام، هل تحركت يد المايسترو في واشنطن لتمارس ضغوطاً مكتومة على عواصم الخليج لمنع هذا اللقاء؟ وما الذي يعنيه تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي خرج فيه بنبرة اللامبالاة ليقول ببساطة: لا أهتم بلقاء الخليج مع طهران.. هذا شأنهم؟.
لكن دعونا نرجع إلى الخلف قليلاً،
إن موقف واشنطن الحقيقي لم يكن مجرد مراقبة عابرة
فالإدارة الأمريكية كانت ترى في أي اتفاق مباشر بين دول الخليج وطهران حول الملاحة في مضيق هرمز شرعنةً ضارّة لفرض إيران واقعاً ميدانياً جديداً بالتحكم في المضيق وتدفقات النفط ، وعلى الرغم من أن المبرر الرسمي الذي أُعلن لتأجيل اجتماع سلطنة عمان هو عدم اكتمال التوافق الإقليمي والمخاوف الناجمة عن التطورات الميدانية المتسارعة، إلا أن واشنطن وجهت رسائل صارمة تحذر فيها من الذهاب إلى اتفاقات منفردة مع إيران تمنحها كروت ضغط إضافية على الطاولة.
وهنا تبرز المعضلة ، كيف تطلب واشنطن من حلفائها في الخليج الامتناع عن التهدئة المباشرة مع الجار الإيراني، في الوقت الذي تشهد فيه الإمدادات وشرايين الطاقة تهديداً مباشراً؟
لقد خرج دونالد ترامب متحدثاً لوسائل الإعلام بنبرة تجارية وسياسية مألوفة، معلناً أنه غير مهتم باجتماع دول الخليج مع إيران ، في الظاهر، يبدو هذا التصريح انسحاباً أو تحللاً من المسؤولية الإقليمية، لكن قراءة المشهد تظهر وجهاً آخر،
ترامب يريد أن يعطي الإشارة التالية:
واشنطن مهتمة فقط بملف إيران النووي وتوازن القوى الكلي، ولا تنوي الدخول في تفاصيل التفاوض حول خطوط الملاحة اليومية،
وترفض واشنطن طلبات التدخل العسكري المباشر في بعض الجبهات الفرعية (مكتفية بالدعم الاستخباري والمعلوماتي) وهو ما يعكس استراتيجية ترامب الثابتة: أمريكا أولاً، وعلى الإقليم أن يتحمل جزءاً كبيراً من أعباء أمنه بنفسه.
إن ما يحدث اليوم في مياه الخليج وباب المندب ليس مجرد حادث عابر في التاريخ، بل هو تحول بنيوي يمس مستقبل الوجود العسكري الأمريكي ذاته.
على مدار سنوات كانت الاستراتيجية الأمريكية قائمة على مبدأ مبسط: النفط مقابل الأمن ، اليوم، حينما تجد عواصم المنطقة نفسها أمام خيارات معقدة ولا تتلقى مظلة حماية مطلقة وسريعة، تتآكل الفكرة الأساسية التي قام عليها النفوذ الأمريكي منذ منتصف القرن الماضي.
وعندما تشك العواصم الإقليمية في مدى التزام واشنطن أو تكتشف أن حسابات البيت الأبيض لا تتطابق تماماً مع أمنها المباشر، ينشأ دافع قوي لدى هذه الدول لبناء خيارات دبلوماسية وعسكرية مستقلة، والتواصل الحذر حتى مع خصوم الأمس.
بخلاف أن الفراغ الذي تتركه الدبلوماسية الأمريكية، أو حالة الانفصام بين التحذير من التفاوض والامتناع عن الحماية الشاملة، يخلق مساحة شاسعة تنفذ منها القوى الدولية المنافسة (مثل الصين وروسيا) للتأسيس لشرق أوسط متعدد الأقطاب.
إن منطقة الخليج تقف أمام مرحلة إعادة تعريف شاملة لعلاقتها بالولايات المتحدة،
فالضغط الأمريكي لمنع تقارب إقليمي دون تقديم حلول جذرية للتهديدات، مقروناً بتصريحات رئيس أمريكي يرى كل شأن إقليمي عبر منظار الكلفة والمصلحة المباشرة، لن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: تراجع ثقة الإقليم في نجاعة الوجود العسكري الأمريكي، ودفع المنطقة نحو صياغة معادلاتها الخاصة بالحديد والنار تارة، وبالدبلوماسية الاضطرارية تارة أخرى.
إن الحليف الذي يملك القوة ولا يملك الإرادة لتوفير اليقين لحلفائه، يكتشف في النهاية أن القوة وحدها لا تبقي النفوذ حياً .