رياح مكة وهلع تل أبيب ... عندما تنكسر معادلة التفوق المطلق
إن القارئ للتحركات الجارية على مسرح الشرق الأوسط لابد أن يتوقف طويلاً أمام ما شهده الإقليم مؤخراً من تحولات لا تكتفي بخلع الأوراق القديمة من أصلها، بل تعيد كتابة الجغرافيا السياسية للمنطقة بأسرها، وليس أدل على ذلك من حزمة التصريحات والعواصف التي أثارها الإعلان عن تأسيس ماُعرف بـ حلف مكة ذلك التحالف الذي ضم ثلاثي القوة والتأثير: المملكة العربية السعودية، والجمهورية التركية، وجمهورية باكستان الإسلامية،
ولعل ما يسترعي الإنتباه حقاً، ليس فقط مجرد التوقيع على إتفاقية دفاعية مشتركة ذات طابع إستراتيجي وأبعاد ردع غير مسبوقة، بل تلك الصدمة الإرتدادية التي أحدثها التكتل داخل مطابخ القرار في تل أبيب، والتي عبر عنها بوضوح وجلاء وزير شؤون الشتات الإسرائيلي، حين وصف هذا الحلف بأنه تطور خطير ومقلق للغاية يهدد المصالح المباشرة لإسرائيل، داعياً إلى إستراتيجية مواجهة شاملة.
حين أخرج وزير الشتات الإسرائيلي تصريحاته ، محذراً من أن حلف مكة يشكل خطراً وجودياً متزايداً ينبغي على إسرائيل عدم الوقوف أمامه مكتوفة الأيدي، لم يكن يتحدث بمنطق الإنفعال السياسي العابر، بل كان يعكس حالة من الإرتباك التي تسود الأجهزة الأمنية والإستخباراتية في إسرائيل.
لقد أدركت تل أبيب، وللمرة الأولى منذ عقود، أنها أمام معادلة ردع جديدة لا تعتمد على محور واحد أو طرف منفرد، بل تجمع بين
الثقل المالي والسياسي والديني للرياض، وموقعها في قلب العالم
الإسلامي ، والقوة العسكرية والتصنيع الحربي والتمدد الجيوسياسي لأنقرة في شرق المتوسط وسوريا والإقليم،
والقدرة النووية والترسانة البالستية لإسلام آباد، التي تمنح هذا الحلف غطاءً ردعياً يتجاوز التقليدي.
وقد حاول الوزير الإسرائيلي طرح بدائل ومحاور مضادة عبر دعوته لتعزيز العلاقات مع أطراف مثل اليونان وقبرص والإمارات وإقليم صوماليلاند ، في محاولة تطويق جغرافية لهذا الحلف الجديد. إلا أن هذه التحركات، تبدو أقرب إلى ردود الأفعال القلقة منها إلى إستراتيجية بناءة قادرة على إحداث توازن مع قوة بحجم وتأثير حلف مكة.
إن الهجوم السياسي والإعلامي الذي شنته القيادات الإسرائيلية على حلف مكة يترتب عليه عدة تداعيات رئيسية على المستويين الإقليمي والدولي،
منها إنهاء رهان التطبيع الإقليمي وفق الشروط الإسرائيلية،حيث تحول العواصم العربية والإسلامية الكبرى نحو منظومة أمنية وإستراتيجية مستقلة أرسل رسالة قاطعة لمراكز القرار في تل أبيب وواشنطن بأن ترتيبات المنطقة لم تعد تمضي عبر البوابة الإسرائيلية فقط.
وكلما زادت الضغوط والهجمات الكلامية أو التحركات المضادة من جانب إسرائيل، كلما ترسخت لدى السعودية وتركيا وباكستان ضرورة الإنتقال العاجل من مجرد التفاهمات السياسية إلى البرامج التنفيذية في مجالات نقل التكنولوجيا، والدفاع الجوي والبحري، والتدريبات المشتركة.
كما أن محاولات إسرائيل الإستعانة بتحالفات فرعية مع جزر أو أقاليم في البحر المتوسط أو شرق أفريقيا تُنذر بنقل الصراع والإستقطاب الإستراتيجي إلى الممرات البحرية الحيوية، مثل باب المندب ومضيق هرمز.
إن حلف مكة يمثل تحولاً هيكلياً في مفهوم الأمن الإقليمي، حيث تعيد الدول الرئيسية إعادة تعريف أمنها بعيداً عن الإعتماد الكلي على المظلة الأمريكية التي باتت تبدو متذبذبة.
كما أن خطورة الحلف على إسرائيل لا تكمن في نية شن هجوم مباشر، بل في سلب إسرائيل التفوق الإستراتيجي المطلق وتغيير بيئة العمل الحر للجيش الإسرائيلي في المنطقة.
فالتكتل يجمع قوة بشرية وتسليحية ضخمة ،جيوش تضم مئات آلاف الجنود، وقوة جوية متطورة، وغطاءً بالستياً ، مما يجعل أي مغامرة عسكرية إسرائيلية ضد أحد أطرافه ذات كلفة غير قابلة للإستيعاب.
لكن هل يمثل حلف مكة خطراً حقيقياً على إسرائيل؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب تمييزاً دقيقاً بين الخطر الهجومي المباشر والخطر الإستراتيجي الردعي،
من حيث النوايا الهجومية: لم يُعلن حلف مكة كحلف لشن حرب إقليمية هجومية، بل صُمم في جوهره كمعاهدة دفاع مشترك وتنسيق أمني يهدف إلى حماية أراضيه ومصالحه وسيادة دوله من أي إعتداءات.
من حيث التوازن الإستراتيجي، هنا يكمن الخطر الفعلي الذي تراه إسرائيل؛ إذ إن العقيدة الأمنية الإسرائيلية قامت تاريخياً على منع أي تكتل إسلامي ،عربي يملك عناصر القوة الشاملة مال، تصنيع، نووي ، وجود حلف يضم باكستان النووية ، وتركيا بجهازها الصناعي العسكري وعضويتها في الناتو، والسعودية بمكانتها الإقتصادية والروحية، يخلق سداً منيعاً أمام إستمرار سياسة الذراع الطولى والحروب الخاطفة الإسرائيلية.
إن وصف وزير الشتات الإسرائيلي لـ حلف مكة بـالخطير،ومطالبته بمواجهته، ليس مجرد زلة لسان أو تحذير عابر، بل هو إعتراف صريح ببدء أفول عصر الإحتقار الإسرائيلي لموازين القوة في الشرق الأوسط ، إن المنطقة تعيد تنظيم نفسها بناءً على حقائق الجغرافيا والتاريخ ومصالح شعوبها، وأي محاولة من تل أبيب لعرقلة هذا المسار الإستراتيجي عبر تحالفات هشّة أو تهديدات إعلامية، لن تؤدي إلا إلى تعميق عزلتها وإبراز حدود قوتها الذاتية أمام مجريات التاريخ التحولية.