دبلوماسية الخداع ... كيف يحول نتنياهو إتفاقيات السلام إلى ساحة إغتيالات؟

ياسر بركات
ياسر بركات

السلام لا يمكن أن يُصنع بأدوات الحرب، ولا يمكن لرجل إستمد بقاءه السياسي من سفك الدماء أن يكون داعماً لمنظومة أمن وإستقرار.


إن ما يجري اليوم خلف الأبواب المغلقة في المحادثات التي يقودها جارد كوشنر تنطوي على إشكالية عميقة ،فنحن لسنا أمام عملية تفاوض تقليدية تستهدف تفكيك أسباب الصراع، بل أمام مهزلة سياسية تُدار بطريقة إدارة الصفقات العقارية، في محاولة لفرض واقع جديد يتجاهل الحقائق التاريخية والجيوسياسية على الأرض.


تتشابك الخيوط وتتعقد الرؤى في التحركات الأخيرة التي تنقل فيها كوشنر بين القاهرة وتل أبيب للإجتماع بوفود الحركة والمسؤولين الإقليميين ، والواضح أن هناك هوة سحيقة بين الطرح الأمريكي وما يجري تطبيقه عمليًا على الأرض.


إن الإشكالية الكبرى لا تكمن فقط في تعنت القيادة الإسرائيلية، بل في العجز الذي تظهره أطر الوساطة الدولية، فبدلًا من أن تمارس هذه الجهات دورها كوسيط حقيقي يضغط لإقرار بنود الإتفاق وإلزام الطرف الإسرائيلي بحدود الهدنة والإنسحاب، نجد أنها تتماهى بشكل فاضح مع الأجندة الإسرائيلية ، تستجيب هذه الأطر لضغوط تل أبيب بينما تتجاهل المطالب والوساطات الإقليمية الداعية إلى وضع حد للمأساة الشاملة، مما يحول دور الوسيط من راعٍ للسلام إلى غطاء سياسي لإعادة ترتيب أوراق الإحتلال.


إن المدرسة السياسية التاريخية أثبتت دائمًا أن السلام الشكلي الذي يتجاهل جذور المشكلة وينحاز لقوة الإحتلال لا ينتج حلولاً، بل يؤجل الإنفجار، وما يحدث اليوم هو محاولة لتطبيق منطق الصفقة على قضية تحرر وطني، وهو ما يسقط أي خيار حقيقي للإستقرار.


في مقابل أي تحرك دبلوماسي، يأتي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليجهض كل جهد بنبرة إستعلائية حاسمة ، ففي تصريحاته، أعلنها صريحة بلا مواربة ، إصرار كامل على التحلل من بنود الإتفاقيات، وتمسك مطلق بما يسمى حرية العمل العسكري لجيش الإحتلال وإطلاق يد الإغتيالات دون قيود أو حدود زمانية ومكانية.


إن هذه التصريحات تستدعي الوقوف عندها بجدية؛ فالرجل يرسخ لمفهوم أن إسرائيل فوق أي إتفاقيات دولية أو ضوابط إقليمية، كيف يمكن لطرف يجلس على طاولة المفاوضات أن يشترط حق القتل والإستهداف المباشر كبند غير قابل للنقاش؟ إن هذا السلوك يقدم دليلاً قاطعًا على أن نتنياهو  الذي تلاحقه الإتهامات كمجرم حرب أمام المحاكم الدولية  لا يملك أي إرادة سياسية لصناعة السلام، بل يرغب في إبقاء المنطقة في حالة غليان دائم لضمان بقائه الشخصي والسياسي في السلطة.
ولعل خير دليل على العقلية التي تدير هذه الممارسة السياسية هو ما شهدته الخطابات والحملات الدعائية لنتنياهو؛ حيث أقدم على إستخدام صور تجمع بين شخصيات وقادة إقليميين وسياسيين ،من بينهم قادة دول وشخصيات سياسية بارزة ،في إستدعاء واضح لخطاب التخويف وبناء أعداء وهميين لخدمة مكاسبه السياسية والإنتخابية.


هذا الأسلوب في الشيطنة والتحريض يوضح بجلاء أن الرجل يخوض معاركه على جبهتين، جبهة الميدان بالبارود، وجبهة الرأي العام بالتحريض ،ومن هنا تبرز الحقيقة الساطعة إن من يبني شرعيته على إشعال الحرائق لا يمكن أن يكون الرجل الذي يطفئها.


وللأسف تستمر الإدارة الأمريكية في إعادة تجريب المجرب، من خلال إرسال مبعوثيها وحمل مبادرات تفتقر إلى جوهر العدل ، إن تجربة كوشنر السابقة والحالية تعتمد على القفز فوق الأساسيات، والتركيز على الترتيبات الأمنية والإستثمارية بمعزل عن حقوق الشعوب وسيادتها.


هذا النهج يواجه طريقًا مسدودًا؛ فالطرف الإسرائيلي لا يرى في هذه المبادرات سوى كسب للوقت لإستكمال مخططاته على الأرض، بينما يجد الطرف العربي والإقليمي نفسه أمام محاولات لتسديد الفواتير على حساب الأمن القومي للمنطقة ، إن غياب الإرادة الأمريكية لفرض حد أدنى من الإلتزام على تل أبيب يجعل كل هذه المحادثات مجرد دوران في حلقات مفرغة.


إن القراءة الواعية لدفاتر التاريخ تدلنا على أن التحركات الحالية إن لم تستند إلى عدالة موجبة وتوازن حقيقي يُلزم إسرائيل بوقف العدوان والإحتكام للقانون الدولي، فلن تنتج إلا مزيدًا من الهشاشة والدمار.


إن الرغبة في قسر التاريخ وتجاوز حقوق الشعوب عبر صفقات مبتسرة، والتغاضي عن إصرار القيادة الإسرائيلية على القتل والإغتيال، هو إستنزاف للوقت وتأجيل للإنفجار القادم ، والسلام الحقيقي لا يُبنى بعقلية التجار ولا برايات مجرمي الحرب، بل بإرادة سياسية جادة تعيد الحقوق لأصحابها وتضع حدًا لهذا الخلل الجسيم في معادلة الشرق الأوسط.

 

 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

دبلوماسية الخداع ... كيف يحول نتنياهو إتفاقيات السلام إلى ساحة إغتيالات؟

بقلم ياسر بركات