معادلة الردع الجديدة.. أبعاد التحالف الروسي-الإيراني ورسائله للبيت الأبيض

ياسر بركات
ياسر بركات

كان المشهد صافياً بغير رتوش: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يجلس إلى جوار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والحديث بينهما يغوص عميقاً في تفاصيل المواجهة الملتهبة مع الولايات المتحدة وفي ظلال حرب إستنزاف تضرب شواطئ الخليج العربي ومضيق هرمز، لم تكن تلك الكلمات الصادرة عن سيد الكرملين وهو يُعرب عن تضامن موسكو المطلق مع الشعب الإيراني في الدفاع عن مصالحه الوطنية ويصف التهدئة السابقة بـ الهشة التي سرعان ما إنكسرت  مجرد عبارات دبلومسية تُقال في المناسبات الرسمية. كانت تلك التصريحات،  بمثابة إعلان واضح عن التحول من مرحلة الشراكة الحذرة إلى مرحلة التحالف العسكري والإستخباراتي الصريح ، في مواجهة ما تعتبره موسكو وطهران الهيمنة الأحادية الأمريكية.

 


هذا اللقاء لم يكن بروتوكولياً، بل كان رسالة عملية وميدانية موجهة مباشرة إلى البيت الأبيض ، فالدعم الروسي لطهران لم يعد يقتصر على التصويت في مجلس الأمن أو التنديد بالعقوبات، بل تجاوز ذلك إلى تقديم غطاء إستخباراتي وعسكري نوعي.
إن الحرب الأمريكية الإيرانية الحالية قد تغيرت طبيعتها بالكامل بعد التدخل الروسي على خط دعم طهران بالبيانات الفضائية والتكتيكية. إن الصور الإستطلاعية والدعم المعلوماتي الروسي المنقول إلى القيادة الإيرانية يُعقّدان الحسابات العسكرية الأمريكية في مياه الخليج، ويجعلان إستهداف المنصات أو القواعد الأمريكية أكثر دقة وخطورة.
الإدارة الأمريكية وجدت نفسها في مصيدة إستراتيجية؛ فهي من جهة تسعى لردع طهران وحماية حركة الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز، ومن جهة أخرى تجد نفسها في مواجهة غير مباشرة مع قوة نووية كبرى كروسيا، تزود حليفها الإيراني بكل ما يحتاجة إقتصادياَ وإستخباراتياَ.
بوتين ردّ الصاع صاعين للإدارة الأمريكية ، فبعد سنوات من الدعم الغربي المكثف لأوكرانيا بالسلاح والمعلومات، تجد موسكو اليوم في الأزمة الإيرانية فرصة ذهبية لإستنزاف القدرات العسكرية والإستراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
فموسكو توفر لطهران منظومات إنذار مبكر ومعلومات إستخباراتية لحظية تحركها الأقمار الصناعية الروسية، وهو ما يفسر قدرة طهران على الصمود والتكتيك الميداني القاسي في مواجهة الضغوط والبوارج الأمريكية في المنطقة.
كما أن التجارة عبر الممر الشمالي-الجنوبي والتفاهمات النفطية والغازية بين البلدين جعلت العقوبات الأمريكية حبراً على ورق، وأمنت لإيران شرياناً خلفياً يمنع إنهيارها الداخلي تحت وطأة الضغط العسكري والإقتصادي.
إن الحديث عن أثر تصريحات بوتين ودعمه الصريح لإيران يجب أن يُقرأ في ضوء الخريطة الجيوسياسية الشاملة للإقليم،
حيث كانت الرهانات الأمريكية تعتمد على ضربات خاطفة وضغوط قصوى تُجبر القيادة الإيرانية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشروط واشنطن ، لكن الطوق الروسي الممتد حول طهران منح الأخيرة عمقاً إستراتيجياً ونفساً طويلاً ، هذا يعني أن الحرب لن تكون خاطفة، بل تتحول بالتدريج إلى حرب إستنزاف طاحنة، تستهلك الرصيد السياسي والعسكري الأمريكي في المنطقة.
وإستمرار هذا الدعم، بالتوازي مع الإغلاق الميداني المتكرر للممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز، يضع أسواق النفط العالمية على حافة البركان ، وهنا تبرز المصلحة الروسية الجلية: إرتفاع أسعار النفط يغذي الخزانة الروسية، وفي الوقت نفسه يضغط على الدول الغربية والمستهلكين في واشنطن وأوروبا.
إن تصريحات بوتين في قمة بيشكيك تُرسل إشارة قاطعة لكل دول المنطقة، من الخليج إلى الشام، مفادها أن مظلة الحماية الأمريكية لم تعد القوة الوحيدة الحاكمة في الشرق الأوسط ، لقد أوجد التحالف الروسي-الإيراني حالة من التوازن الردعي القاسي، حيث باتت التكلفة لأي عمل عسكري شامل ضد إيران أعلى بكثير مما كانت تتوقعه مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب.
الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي لا يقل خطورة عن اللحظات المفصلية التي شهدها العالم في منتصف القرن الماضي.
لقد أثبت لقاء بوتين وبزشكيان أن إيران لم تعد تحارب وحدها في الميدان، بل أصبحت رأس حرابة في جبهة عريضة تضم روسيا والصين (عبر مظلة منظمة شانغهاي)، التى تسعى لإعادة كتابة قواعد اللعبة الدولية وكسر الهيمنة الأحادية.
إن خطورة هذا الموقف تتجلى في أن الإدارة الأمريكية باتت أمام خيارين أحلاهما مر:

إما المضي قدماً في مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران قد تتحول إلى حرب إقليمية شاملة تجر أطرافاً دولية بعواقب لا يُمكن التنبؤ بها
أو القبول بالتراجع والعودة إلى الدبلوماسية والتفاوض بشروط جديدة تعترف بالدور الإيراني وبالمصالح الروسية في المنطقة.
بين أوهام القوة في واشنطن، وحسابات الدب الروسي في الكرملين، وصلابة الموقف في طهران، يبقى الشرق الأوسط هو المسرح الأكبر الذى تبنى على أرضه ودمائه خريطة العالم الجديد.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

معادلة الردع الجديدة.. أبعاد التحالف الروسي-الإيراني ورسائله للبيت الأبيض

بقلم ياسر بركات