الإمبراطورية على طريق النهاية.. صمود فنزويلا وعجز الموقف الإسلامي

ياسر بركات
ياسر بركات

إن النظر إلى الحوادث الكبرى في التاريخ الإنساني والسياسي يفرض علينا ألا نكتفي بمسرح الأحداث الظاهر، بل أن ننفذ إلى الكواليس حيث تُحاك الاستراتيجيات وتتصارع الإرادات. وما حدث في مصفاة كاردون النفطية الواقعة في شبه جزيرة باراغوانا بفنزويلا وهي ثاني أكبر مصفاة نفطية في البلاد بقدرة تكريرية تتجاوز ثلاثمائة ألف برميل يومياً  لم يكن مجرد سحابة دخان سوداء كثيفة تصاعدت في سماء ولاية فالكون؛ إنه في جوهره وعمقه تصادُم حاد ومباشر بين إرادة مجتمع متمسك بسيادته وموارده الوطنية، وبين سياسات المصادرة والهيمنة التي ترمز إليها واشنطن والإدارة الأمريكية بكل ما تملكه من أدوات الضغط والنفوذ.
إن القراءة الدقيقة لما يجري في أمريكا اللاتينية تتطلب منا أولاً ألا نعزل ملف الطاقة عن موازين القوة الشاملة ، فالنفط الفنزويلي لم يكن في يوم من الأيام مجرد سلعة تجارية تقاس بالدولار وتُباع وتُشترى في بورصات نيويورك ولندن، بل كان دوماً في قلب المعركة الجيوسياسية منذ بداية القرن العشرين، وتعاظم دوره حين أدرك العالم أن التحكم في منافذ الطاقة هو التحكم الفعلي في شرايين الاقتصاد الدولي.
ومحاولات الإدارة الأمريكية الممتدة، ولا سيما في عهد الرئيس دونالد ترامب، لممارسة سياسة أقصى درجات الضغط وسلب المقدرات النفطية لفنزويلا عبر حصار خانق وعقوبات أحادية وتهديدات متكررة، اصطدمت بحائط صلب من الرفض الشعبي والسياسي ، لقد كان التصور السائد في دوائر صنع القرار بواشنطن أن مجتمعاً يئن تحت وطأة الضغوط الاقتصادية سيسارع إلى الاستسلام وفتح أبوابه للشركات عابرة القارات، لكن الواقع أثبت أن الشعوب حين تقرر الاحتفاظ بحقها الفطري والتاريخي في تقرير المصير، تغدو كلفة إخضاعها أكبر بكثير من قدرة أي إمبراطورية على تحمّلها،مهما بلغت ترسانتها العسكرية والمالية.
إن الحريق الذي اندلع في مصفاة كاردون يبعث برسالة موجهة مباشرة إلى البيت الأبيض، مفادها: إن ثروات الشعوب الحرة ليست مشاعاً، وإن الإمبراطورية الأمريكية التي تعودت إدارة الشأن العالمي بلغة الإنذارات وأوامر التوجيه، تنكشف اليوم ،وهذا التراجع المتدرج لقوة الردع الأمريكية هو المعلم الأبرز في هذه المرحلة الانتقالية التي يمر بها النظام الدولي، حيث تبدو واشنطن غير قادرة على فرض إرادتها المطلقة كما كانت تفعل في تسعينيات القرن الماضي، بينما تزداد شعوب الجنوب تماسكاً ووعياً في رفض منطق النهب المنظم.
في الوقت الذي يثبت فيه الشعب الفنزويلي حضوره الفاعل في صدارة المواجهة دفاعاً عن أرضه وموارده، تتبدى أمامنا مفارقة محزنة ومؤلمة حين نلتفت بتبصّر إلى خريطة العالم الإسلامي، بمؤسساته الرسمية وشعوبه الحية ، فبينما كان يجري استغلال الأزمات الاجتماعية والسياسية الداخلية في دول غربية كبرى، مثل فرنسا، لممارسة تصعيد كلامي وإهانة الرموز الإسلامية وتوظيفها انتخابياً في واشنطن والعواصم الغربية، كانت ردود الفعل في العالم الإسلامي تتسم بقدر غريب من السلبية .
وهنا نصل إلى لبّ التناقض الجسيم الذي يستحق التوقف والتحليل: ما هي العلاقة الموضوعية بين أزمة شغب أو توترات اجتماعية وضغوط معيشية داخلية في ضواحي باريس أو المدن الفرنسية، وبين زجّ الدين الإسلامي ورموزه المقدسة في السجال السياسي الداخلي للأحزاب الغربية؟
استدعاء خطر الإسلام وتقديمه كفزاعة عند كل أزمة محلية تعصف بأوروبا، ليس إلا أداة توجيه سياسي وإعلامي تستهدف صرف الأنظار عن الأزمات الهيكلية التي يعاني منها النظام الرأسمالي والتراجع الحضاري للغرب ، لكن المؤسف حقاً هو حالة الشلل والصمت المريب الذي خيّم على المؤسسات الرسمية والشعبية في العالم الإسلامي؛ حيث أضحت تكتفي بدور الشاهد العاجز، بل والمنفصل تماماً عن خريطة الصراعات الجيوسياسية الحقيقية التي تُصاغ فيها مقدرات الأمم.
لو أن رئيساً عربياً أو مسؤولاً في الشرق الأوسط أطلق تصريحاً واحداً يمسّ أو يهين الدين اليهودي أو رموز العقيدة اليهودية بمناسبة أحداث وقعت في أي نقطة من العالم، لقامت الدنيا ولم تقعد، ولتحركت الآلة الإعلامية والدبلوماسية الغربية بكامل ثقلها لتفرض العقوبات الشاملة، ولتطالب بالإعتذار الفوري والحاسم، ولصُنّف ذلك المسؤول فوراً في خانة المعاداة للسامية.
هذه الازدواجية تسلط الضوء على اختلال ميزان القوى الدولي، وتكشف كيف تُدار المفاهيم والأخلاق في عالم السياسة الغربية، تُكيَّف المعايير وفق المصلحة الإمبريالية المباشرة، فتكون محاولات السيطرة على نفط فنزويلا بالقوة والحصار حماية للاستقرار والديمقراطية، بينما يغدو دفاع الشعب الفنزويلي أو الشعوب الإسلامية عن حقوقها السيادية والدينية فوضى وتطرفاً وتهديداً للأمن والسلم الدوليين.


إن الإمبراطوريات العظمى لا تسقط بضربة قاضية واحدة أو في حلبة مصارعة خاطفة، بل تتهالك عبر ممر طويل من الأخطاء الاستراتيجية، والتوسع المفرط، والانكشافات الأخلاقية والجيوسياسية، حيث يؤدي الفشل المتكرر في إدارة الملفات الدولية الكبرى، والعجز الواضح في أداة الضغط الاقتصادي أمام ثبات الشعوب، إلى إضعاف هيكل الهيمنة وتبديد هيبته.


إن السقوط المدوّي في فخ الانحياز الفاضح وازدواجية المعايير تجاه القضايا الدينية والثقافية، يفقد الإمبراطورية القدرة على القيادة الأخلاقية ويكشف وجهها العاري القائم على القوة المجردة.
إن صمود فنزويلا وشعبها في وجه نهب ثرواتها النفطية ليس حادثاً معزولاً، بل هو حلقة رئيسية ضمن سلسلة من التحولات الهيكلية التي تعلن أفول عصر الهيمنة الأمريكية الأحادية ونهايتها المحتومة. وإن لم يستوعب العالم الإسلامي بؤر التغيير هذه، ويسترد فاعليته السياسية والفكرية بعيداً عن الانفعالات اللحظية، فإنه سيظل مجرد ساحة لتصفية الحسابات ومسرحاً لنفوذ الآخرين، بدلاً من أن يكون شريكاً أصيلاً وفاعلاً في صناعة وتشكيل العالم الجديد الذي يتشكل الآن ببطء وثبات فوق ركام الإمبراطورية المترهلة.
 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

الإمبراطورية على طريق النهاية.. صمود فنزويلا وعجز الموقف الإسلامي

بقلم ياسر بركات