القرصان والقاضية... يوم تصادمت شجاعة امرأة واحدة مع صلف الإدارة الأمريكية

ياسر بركات
ياسر بركات

في ساعات الصباح الأولى من يوم أمس الجمعة ، أُعلن من أوسلو عن منح القاضية السابقة في المحكمة الجنائية الدولية، نافي بيلاي، جائزة نوبل للسلام، تقديراً لشجاعتها النادرة وجهودها الموصولة في صون القانون الدولي، ووقوفها الصلب بوجه الممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، واستخدامها صراحة وبلا مواربة توصيف الإبادة الجماعية عما يجرى في قطاع غزة المحاصر. ولم تكن تمضي سوى ساعات قليلة على هذا النبأ الذي أثلج صدور أصحاب الضمائر الحية، حتى صُدمت العواصم العالمية بقرار صادر من البيت الأبيض، يفرض عقوبات صارمة ومشروطة بالإذعان على المحكمة الجنائية الدولية وقضاتها.

 

لكي نفهم الأبعاد الحقيقية لما جرى، علينا أن نرجع بالذاكرة إلى الوراء قليلاً، لنقرأ سيرة امرأة لم تكن يوماً مجرد موظفة رفيعة المستوى في أروقة الأمم المتحدة، بل كانت حالة استثنائية فريدة  ومثالاً نادراً فى الاستقامة والصلابة .
نافي بيلاي، الابنة القادمة من معاقل الفصل العنصري (الأبارتهايد) في جنوب أفريقيا، حملت في وجدانها وعقلها مرارة الظلم التاريخي، وصاغت من تلك التجربة رؤية صارمة لمعنى العدالة.
عندما وقفت بيلاي لتصف الإجراءات الإسرائيلية في غزة بأنها ترتقي إلى مستوى الإبادة الجماعية، لم تكن تلقي بالكلمات على عواهنها، ولا كانت تمارس نوعاً من المزايدة السياسية. لقد انطلقت من حصيلة عقود من الاستقصاء الجنائي والتحليل القانوني، مستندة إلى ألاف  من التقارير والمستندات والشهادات الميدانية التي توثق تدمير البنى التحتية، والقتل الممنهج، والتجويع القسري.
إن منحها جائزة نوبل للسلام لم يكن مجرد تكريم لشخصها، بل كان في جوهره تأكيداً دولياً على صحة الرواية التي ظلت القوى الغربية تحاول حجبها أو التخفيف من وطأتها. كان بمثابة بصيص أمل يُضاء في عتمة خيمت على الإنسانية، وإشارة إلى أن هناك في هذا العالم المترامي الأطراف من يزال يملك الجرأة للوقوف في وجه القوة الغاشمة وتسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية.
في المقابل، وعلى الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، تجسدت الاستجابة الأمريكية للحدث في أبهى صور الرفض والاستكبار. لم تكتفِ إدارة الرئيس دونالد ترامب بإبدائها الرفض السياسي لقرارات الجنائية الدولية وتوجهات نوبل، بل سارعت إلى تفعيل سلاح العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية ضد المحكمة ذاتها، في خطوة غير مسبوقة تصيب روح العدالة الدولية في مقتل.
وهنا، يجب أن نكون واضحين: إن التصرف الصادر عن الإدارة الأمريكية لا يمكن قراءته إلا بأنه يقترب بشكل خطير من أدبيات أوإدارة العصابات. أو سلوك القرصان الأكبر
إن المنطق الذي يتحكم في القرارات الصادرة من واشنطن تحت إدارة ترامب يعتمد على معادلة بسيطة وشديدة الخطورة: إما أن تكون معي وإما أن أستأصلك. إنه المنطق الذي لا يعترف بالمؤسسات الدولية إلا بقدر ما تخدم مصالحه المباشرة ومصالح حلفائه، ويتحول إلى الهجوم الشرس والتهديد المباشر حالما تتجرأ هذه المؤسسات على المساس بالخطوط الحمراء التي يرسمها.
لقد رأينا كيف صُرّح مراراً وتكراراً بلغة الوعيد ضد القضاة والمدعين العامين، ورأينا كيف أصبحت أدوات الدولة العظمى تُستخدم لإرهاب مؤسسات وُجدت أساساً لمنع تكرار المآسي الإنسانية والحروب العالمية. إن اختطاف رؤساء، وتصفية قادة، وتهديد قضاة، وفرض الحصار المالي على الهيئات الأممية، كلها ممارسات تبتعد كل البعد عن أدبيات قادة العالم الحر كما كانت واشنطن تحب أن تُسمي نفسها. 
إن الحماية المطلقة التي توفرها الإدارة الأمريكية لإسرائيل في المحافل الدولية ليست وليدة اللحظة، لكنها بلغت في الآونة الأخيرة مستويات غير مسبوقة من الفجاجة. فبينما تقف الممتلكات والمؤسسات الدولية عاجزة أمام مشاهد الدمار المروعة في غزة، تُصر واشنطن على إسباغ حصانة كاملة على القيادة الإسرائيلية، مانعةً أية محاولة لمساءلتها أمام القانون الدولي.
وقد أدت هذه السياسة إلى خلق حالة من الاستثناء المزدوج؛ حيث يُطبق القانون الدولي بصرامة على الدول الضعيفة أو المناهضة للسياسات الأمريكية، بينما يُعطل تماماً ويبطل مفعوله عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. إن السلوك الأمريكي لا يحمي إسرائيل فحسب، بل يدمّر الهيكل الأخلاقي والأنظمة القانونية التي بُنيت على مدى سبعة عقود في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
على الرغم من هذا المشهد القاتم، وهذه السطوة التي يمارسها القرصان الأكبر في إدارة الشأن العالمي، فإن تزامن منح الجائزة لنافي بيلاي مع فرض العقوبات الأمريكية يحمل في طياته دلالة عميقة لا يجب أن تفوتنا.

إن لجوء دولة بحجم الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات شخصية ومباشرة على قضاة دوليين هو دليل عجز وليس دليل قوة. إنه يبرهن على أن السلاح الوحيد المتبقي لهذه الهيمنة هو البطش المادي، بعد أن فقدت تماماً الهيبة الأخلاقية والحجة القانونية.
إن التوصيفات الصادرة عن شخصيات بوزن نافي بيلاي، وتتويجها بأرفع جائزة دولية، يعني أن السردية التي حاولت أدوات الإعلام الغربي الرسمية طمسها قد فرضت نفسها على الضمير العالمي، وأصبحت حقيقة غير قابلة للمحو في سجل التاريخ. إن هذا الاشتباك المباشر بين الإدارة الأمريكية والمؤسسات القضائية الدولية يسرّع من تآكل المنظومة أحادية القطب، ويدفع القوى الصاعدة والمجتمعات المدنية حول العالم إلى البحث عن أطر جديدة تتجاوز السيطرة الأمريكية، وترفض منطق القوة على حساب العدالة.
لكن أين الأمة العربية من هذا الصراع الممتد بين القانون والقوة؟
إن ما يجري ليس مجرد معركة بين واشنطن ولاهاي، بل هو معركة تمس في جوهرها مستقبل المنطقة العربية بأسرها. إن السماح بإرساء قاعدة منطق العصابة في التعاطي مع القضايا العادلة يعرّض مقدرات الشعوب العربية وسيادتها للاندثار. ومن هنا، فإن دعم المؤسسات الدولية القليلة المتبقية التي تمارس أدواراً مستقلة كالمحكمة الجنائية الدولية  والالتفاف حول الأصوات الحرّة كنافي بيلاي، لم يعد مجرد خيار أخلاقي، بل هو ضرورة استراتيجية لحماية ما تبقى من الأمن القومي العربي.

قد تبدو الإدارة الأمريكية اليوم، وهي تلوح بالعقوبات وتتحدى الإرادة الدولية، في قمة بطشها وقدرتها على الإملاء. لكن الصدمة التي أحدثتها شجاعة امرأة واحدة قادمة من أروقة العدالة، والاعتراف الدولي الذي حظيت به، يذكرنا جميعاً بأن الحق عندما يجد من يحمله بصلابة، يستطيع أن يزلزل أركان أكثر القلاع عتواً. إنها مواجهة طويلة بلا شك، لكن بصيص الأمل الذي بزغ من أوسلو يوم الجمعة يؤكد أن معركة الإنسانية ضد القرصنة لن تنتهي بالاستسلام.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

الإمبراطورية على طريق النهاية.. صمود فنزويلا وعجز الموقف الإسلامي

بقلم ياسر بركات