شطرنج المتوسط الدامي.. تفاصيل اللحظة الحرجة بين أنقرة والقاهرة وأثينا

ياسر بركات
ياسر بركات

ما جرى تحت قبة البرلمان الليبي في بنغازي، وما تلاه من إشارات متزامنة أطلقها وزير الدفاع التركي باتجاه القاهرة، ليس حدثاً عابراً في سياق اليوميات السياسية؛ بل هو لحظة فارقة تعيد خلط الأوراق على رقعة الشطرنج الإقليمية، وتدفع بالجميع إلى حافة اختبار استراتيجي حاسم ومفتوح على كل الاحتمالات.
كان المشهد في مدينة بنغازي يحمل قدراً هائلاً من المفارقة السياسية التي لا تخلو من دراما التاريخ؛ فالبرلمان الذي خاض لسنوات معركة سياسية ودستورية شرسة ضد مذكرة التفاهم الموقعة في نوفمبر 2019 بين حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج وأنقرة، وصنفها حينها باعتبارها عدواناً على السيادة وتفريطاً في الحقوق، ينعقد اليوم ليقر الاتفاقية ذاتها، وبـالإجماع.
هذا التحول الجذري في بوصلة الشرق الليبي لم يُتخذ في فراغ قانوني، بل جاء تتويجاً لمسار تفاوضي استخباري تركي شديد الحذر والبراعة، نجح في اختراق الدوائر الصلبة في برقة، وتحديداً عائلة حفتر والقيادات القبلية المؤثرة.
إذ لم يعد الاتفاق ورقة تفاوض بيد حكومة غرب ليبيا ، بل تحول إلى وثيقة ممهورة بخاتم السلطة التشريعية المعترف بها دولياً في الشرق، مما يسقط عن أنقرة تهمة التعامل مع فصيل واحد، ويمنح عقود التنقيب المستقبلية غطاءً يصعب الطعن فيه محلياً.
لم يكن مفاجئاً أن ترتفع نبرة الرفض فور صدور قرار بنغازي من عواصم شكلت معاً عبر السنوات الأخيرة ما يمكن تسميته جبهة الصد ضد التمدد التركي.
نظرت الدوائر السيادية المصرية إلى ما حدث في بنغازي باعتباره تجاوزاً لـخطوط حُمر غير معلنة تتعلق بالأمن القومي وحسابات الجوار المباشر. الموقف المصري الدبلوماسي أعلن بوضوح أن الاتفاقية منعدمة الأثر القانوني وتمس بالمنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر. ولعل القلق في القاهرة ينبع من رؤية تعتبر أن تمكين تركيا من التحرك الحر في مياه شرق ليبيا يُشكل تطويقاً جيوسياسياً ومناورة مكشوفة لتقويض منتدى غاز شرق المتوسط، الذي رسخ مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة في مواجهة الطموحات التركية. 
وعاشت اليونان صدمة حقيقية؛ ذلك أن الاتفاقية الليبية-التركية تلغي بالكامل الأثر البحري لجزر يونانية استراتيجية. أثينا، مدعومة بالموقف الفرنسي في الاتحاد الأوروبي، سارعت إلى تصنيف تصويت البرلمان الليبي كانتهاك صارخ للقانون الدولي للبحار ، مؤكدة أن ما جرى محاولة لفرض أمر واقع بالقوة البحرية.
ثم جاءت الانتقادات الإسرائيلية محكومة بحسابات الغاز وطرق الإمداد؛ فإسرائيل ترى في الممر البحري التركي-الليبي عائقاً جغرافياً وعسكرياً يعترض خطوط تصدير الغاز الإسرائيلي عبر قبرص واليونان إلى أوروبا ، فضلاً عن رفض الدوائر الأمنية الإسرائيلية توسيع النفوذ العسكري لأنقرة قبالة سواحل الحوض الشرقي للبحر.
وسط هذا الغبار الكثيف، خرج وزير الدفاع التركي، يشار غولر، بتصريح مدروس بدقة في التوقيت والرسالة، أعلن فيه استعداد بلاده لتوقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر، كاشفاً عن مقترح يمنح القاهرة مساحة إضافية تصل إلى 15 ألف كيلومتر مربع مقارنة بالاتفاقية التي وقعتها مصر مع اليونان عام  2020
هذا العرض ليس مجرد مجاملة دبلوماسية؛ بل هو في جوهره مناورة شطرنج استراتيجية كبرى .
 

يستند المنظور التركي في الترسيم إلى قاعدة البر الرئيسي يسيطر على البحر، منكراً منح الجزر اليونانية الصغيرة جرفاً قارياً ومناطق اقتصادية كاملة تناطح السواحل المصرية والتركية الممتدة. وبحسب هذه الخريطة التركية، فإن الخط الفاصل بين مصر وتركيا يتجه شمالاً ليقتطع مساحات كانت ستحصل عليها اليونان، ويضيفها إلى الحصة المصرية.
لكن تدرك القاهرة  أن قبول هذا العرض بالرغم من مغرياته المساحية والنفطية، يعني عملياً نسف التحالف الاستراتيجي المصري مع اليونان وقبرص، والانسلاخ من شبكة الأمان الأوروبية، والاعتراف الضمني بالرؤية التركية لترسيم الحدود، وهو ثمن سياسي باهظ لا تقاس مكاسبه بالكيلومترات المربعة فحسب.
وأرادت تركيا من هذا الإعلان توجيه رسالة إلى الغرب بأن أنقرة هي المفتاح الحقيقي لأي استقرار في معادلة الغاز بالبحر المتوسط، وأن تجاوزها مستحيل جغرافياً وسياسياً.
فالبحر المتوسط بات يختزل في مياهه الزرقاء صراع الطاقة العالمية في ظل محاولات فكاك أوروبا من الغاز الروسي، وصراع النفوذ بين موسكو  التي تراقب المشهد بقاعدتيها في طرطوس وحميميم ووجودها الليبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتذهب التقديرات إلى أن تصويت بنغازي الأخير يرفع من منسوب الحضور التركي في معادلة الأمن البحري جنوب أوروبا إلى مستويات غير مسبوقة.

من ناحية أخرى، فأن الرد المصري لن يكون انفعالياً؛ فالقاهرة دولة تملك رصيداً ضخماً من الصبر الاستراتيجي ودهاء البيروقراطية التاريخية. إن مصر تفصل بدقة بين مسار التطبيع الدبلوماسي وتوسيع التجارة المشتركة مع أنقرة، وبين تسليم مفاتيح الأمن القومي في الجوار الليبي أو التخلي عن التزاماتها القانونية تجاه الشركاء الأوروبيين.
نحن إذن أمام مشهد تختلط فيه حقول الغاز الكامنة في أعماق المياه، بأطماع الإمبراطوريات العائدة من بطون التاريخ، بمصالح الأنظمة وأوراق الضغط السياسي. لقد فتحت جلسة بنغازي صفحة جديدة في كتاب الصراع على شرق المتوسط؛ صفحة لن تُكتب أحرفها بالحبر الدبلوماسي وحده، بل برسم الإحداثيات البحرية، ومناورات الأساطيل، وحسابات القوة التي ستحدد في النهاية مَن يملك هذا البحر.. ومَن يكتفي بالوقوف على شواطئه حاملاً خرائط لم يعد يعترف بها أحد

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

شطرنج المتوسط الدامي.. تفاصيل اللحظة الحرجة بين أنقرة والقاهرة وأثينا

بقلم ياسر بركات