بعد حديث الرئيس السيسي عنه.. من هو ماكس هرتس باشا مهندس الآثار الإسلامية والقبطية في مصر؟
تصدر اسم المهندس المجري ماكس هرتس باشا محركات البحث، عقب حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي عنه خلال كلمته بالمؤتمر الصحفي المشترك مع رئيس الوزراء المجري بيتر ماچار في العاصمة بودابست، حيث أشاد بدوره التاريخي في الحفاظ على الآثار الإسلامية والقبطية وترميم عدد من المعالم التاريخية في مصر.
وأكد الرئيس السيسي أن تجربة ماكس هرتس باشا تمثل نموذجًا مهمًا للتعاون المصري المجري، الذي لم يقتصر على الجوانب السياسية والاقتصادية، بل امتد إلى مجالات الثقافة والمعرفة والحفاظ على التراث الإنساني المشترك.
وأعاد حديث الرئيس السيسي تسليط الضوء على شخصية هندسية وتاريخية تركت بصمة واضحة في القاهرة، بعدما كرس المهندس المجري جزءًا كبيرًا من حياته لحماية المباني الأثرية وصيانة الكنوز المعمارية التي تمثل جزءًا أصيلًا من هوية مصر الحضارية.
من هو ماكس هرتس باشا؟
ماكس هرتس باشا، واسمه الأصلي ميكسا هرتس، مهندس معماري مجري وُلد في 19 مايو 1856 بمدينة أوتلاكا بالمجر، وهي منطقة تقع حاليًا داخل الأراضي الرومانية.
درس الهندسة المعمارية واكتسب خبرات فنية ساعدته على التعامل مع المباني التاريخية، قبل أن يصل إلى مصر عام 1880، لتبدأ رحلته التي ارتبطت بتاريخ القاهرة وآثارها الإسلامية والقبطية.
وعمل هرتس ضمن المؤسسات الفنية المرتبطة بإدارة الأوقاف، ونجح في إثبات كفاءته في مجال ترميم المباني الأثرية، حتى أصبح من أبرز المتخصصين في هذا المجال داخل مصر.
وحصل على لقب «بك» عام 1895، ثم رُقي إلى لقب «باشا» عام 1912، تقديرًا لإسهاماته المهنية ودوره في الحفاظ على التراث المعماري المصري.
ماكس هرتس باشا ولجنة حفظ الآثار العربية
تُعد لجنة حفظ الآثار العربية المحطة الأبرز في المسيرة المهنية لماكس هرتس باشا، وهي اللجنة التي أنشأها الخديوي توفيق في أواخر عام 1881 بهدف حماية المباني الإسلامية التاريخية من التدهور والإهمال.
انضم هرتس إلى المكتب الفني التابع لإدارة الأوقاف عام 1881، وعمل تحت إشراف المهندس يوليوس فرانتس باشا، قبل أن يخلفه في موقعه داخل اللجنة عام 1887.
وفي عام 1890، تولى منصب كبير المهندسين المعماريين باللجنة، واستمر في هذا المنصب حتى عام 1914، حيث أشرف على معاينة المباني الأثرية وإعداد خطط الترميم والصيانة ومتابعة تنفيذ الأعمال الفنية.
وشملت المشروعات التي ارتبطت بعمل اللجنة أسوار القاهرة التاريخية وأبوابها، وقناطر صلاح الدين، ومسجد الظاهر بيبرس، إلى جانب العديد من المساجد والمنشآت التاريخية.
كما امتد اختصاص اللجنة عام 1896 ليشمل الآثار القبطية، وهو ما أتاح توسيع نطاق جهود الحفاظ على التراث المصري بمختلف روافده الدينية والمعمارية.
ترميم مسجد السلطان حسن.. أحد أبرز إنجازات ماكس هرتس
يأتي ترميم مسجد ومدرسة السلطان حسن بالقاهرة في مقدمة المشروعات التي ارتبطت باسم ماكس هرتس باشا، نظرًا للقيمة المعمارية والتاريخية الكبيرة لهذا الصرح الذي يُعد من أبرز نماذج العمارة الإسلامية في العصر المملوكي.
أدرك هرتس أهمية المسجد وضرورة التدخل لإنقاذ عناصره المعمارية والزخرفية من التدهور، إلا أن ضخامة المشروع وارتفاع تكاليفه شكّلا تحديًا أمام لجنة حفظ الآثار العربية.
وقدرت الاحتياجات المالية الأولية للمشروع بنحو 40 ألف جنيه مصري، وهو مبلغ ضخم بمقاييس ذلك العصر.
ولجذب الاهتمام إلى أهمية المسجد، أعد هرتس دراسة مصورة وفاخرة تناولت قيمته التاريخية والمعمارية، في محاولة لحشد الدعم اللازم لتنفيذ أعمال الترميم.
وبدأت الأعمال بصورة أكثر جدية عام 1902، واستمرت تحت إشرافه حتى عام 1914، حيث أُنجزت غالبية الأعمال الأساسية، بينما استكمل خلفه أخيل باتريكوولو بعض التفاصيل المتبقية.
وبحسب الوثائق التاريخية التي تناولها الباحث المجري إستفان أورموس، بلغ الإنفاق على المشروع نحو 32 ألفًا و623 جنيهًا مصريًا حتى يناير 1914.
إسهامات هرتس باشا في ترميم الآثار القبطية
لم تقتصر جهود ماكس هرتس باشا على الآثار الإسلامية، بل امتدت إلى التراث القبطي بعد إضافة المباني القبطية إلى اختصاصات لجنة حفظ الآثار العربية عام 1896.
وشملت هذه الجهود معاينة المنشآت والكنائس التاريخية، وتوثيق حالتها المعمارية، والإشراف على أعمال الصيانة والترميم، بما ساهم في تعزيز الاهتمام المؤسسي بحماية التراث القبطي في مصر.
كما ارتبط هذا المسار بالتعاون مع عدد من الشخصيات المصرية المهتمة بالآثار القبطية، ومن أبرزها مرقس سميكة باشا، الذي أصبح لاحقًا من رواد دراسة الآثار القبطية ومؤسس المتحف القبطي.
ماكس هرتس باشا أول مدير لمتحف الفن الإسلامي
ومن أبرز المناصب التي شغلها المهندس المجري ارتباطه بمتحف الفن العربي، الذي أصبح لاحقًا متحف الفن الإسلامي بالقاهرة.
فقد أُسندت إليه مسؤولية الإشراف على المتحف ومجموعاته عام 1892، قبل أن يتولى إدارته رسميًا عام 1901.
واهتم هرتس بتصنيف القطع الأثرية ودراسة قيمتها الفنية والتاريخية، كما أعد مؤلفات وفهارس متخصصة ساهمت في توثيق مقتنيات الفنون الإسلامية.
وامتلك كذلك خبرة علمية في دراسة الزخارف الجصية والنوافذ الزجاجية المعشقة، والتقنيات الفنية المستخدمة في صناعتها، وهو ما عزز مكانته بين الباحثين المهتمين بالفنون الإسلامية خلال تلك الفترة.
فلسفة ماكس هرتس في ترميم المباني الأثرية
تميزت تجربة ماكس هرتس باشا بفلسفة خاصة في التعامل مع المباني التاريخية، إذ كان يفضل الحفاظ على العناصر المعمارية الأصلية وإجراء التدخلات الضرورية فقط، بدلًا من إعادة بناء المنشآت الأثرية بصورة شاملة.
وكان يعتمد على الدراسات والأدلة التاريخية والمعمارية قبل استكمال الأجزاء المفقودة، بهدف الحفاظ على الهوية الأصلية للمبنى وعدم تغيير ملامحه التاريخية.
ورغم تأثره بمدارس الترميم السائدة في عصره، والتي كانت تسمح أحيانًا بإعادة استكمال بعض العناصر اعتمادًا على نماذج معمارية مشابهة، فإن توجهه نحو الحد من التدخلات ساهم في حماية عدد كبير من المعالم التاريخية.
لماذا غادر ماكس هرتس باشا مصر؟
بعد أكثر من ثلاثة عقود ارتبط خلالها اسمه بالعمل المعماري والأثري في مصر، اضطر ماكس هرتس باشا إلى مغادرة البلاد عام 1914، بالتزامن مع اندلاع الحرب العالمية الأولى.
وبسبب جنسيته المجرية، التابعة آنذاك للإمبراطورية النمساوية المجرية، صنفته السلطات البريطانية ضمن رعايا الدول المعادية، ما أدى إلى إجباره على مغادرة مصر في نهاية العام نفسه.
وانتهت بذلك مرحلة مهمة من حياته المهنية، امتدت لنحو 25 عامًا في منصب كبير المهندسين المعماريين بلجنة حفظ الآثار العربية.
وانتقل هرتس إلى أوروبا، وتوفي بمدينة زيورخ السويسرية في 5 مايو 1919، عن عمر ناهز 62 عامًا.
إرث ماكس هرتس باشا في تاريخ العمارة المصرية
لم تتوقف أهمية ماكس هرتس باشا عند مشروعات الترميم التي أشرف عليها، بل امتدت إلى دوره في ترسيخ مفهوم الحفاظ على التراث المعماري باعتباره مسؤولية ثقافية وحضارية.
وتشير الدراسات التاريخية إلى نشاطه في مجال العمارة بالقطاع الخاص، ونُسب إليه تصميم أكثر من 150 مبنى في القاهرة، فضلًا عن ارتباط اسمه بإحياء الطراز المملوكي في العمارة الحديثة.
وتبقى تجربة المهندس المجري واحدة من المحطات البارزة في تاريخ حماية الآثار المصرية، بعدما جمع بين العمل الهندسي والبحث العلمي والتوثيق والإشراف الفني.
وهكذا، فإن إشادة الرئيس عبد الفتاح السيسي بماكس هرتس باشا لم تكن مجرد استدعاء لشخصية تاريخية، بل تسليطًا للضوء على نموذج للتعاون المصري المجري في مجال الثقافة وحماية التراث، ودليلًا على أن الحفاظ على الحضارة الإنسانية مسؤولية تتجاوز الحدود والجغرافيا.