زلزال على مشارف سيوة.. حين تصبح قواعد النفوذ التركي على تماس مباشر مع مصر
حين نطالع اليوم ما يُنشر عن ورشة بناء ضخمة تجري بصمت مريب في واحة الجغبوب بشرق ليبيا، على بعد لا يتجاوز ثلاثة وعشرين كيلومتراً من خط الحدود المصرية، لا تملك إلا أن تشعر بأن ثمة زلزالاً مكتوماً يجري الإعداد له بعناية بالغة.
إن الحديث هنا لا يدور حول مشروع عمراني للتنمية أو استثمار زراعي في بطن الصحراء، بل عن منشأة عسكرية متكاملة تشيدها شركات مرتبطة بالدولة التركية، يمتد مدرج الطيران فيها لنحو ثلاثة آلاف وستمائة متروهو طول مخصص هندسياً لاستقبال أثقل طائرات الشحن العسكري الاستراتيجي في العالم، ة وطائرات استطلاع متقدمة.
هذا التطور، الذي بدأت نواته الأولى في صيف العام الماضي بالتزامن مع التحولات السياسية العميقة في برقة وتصويت البرلمان الليبي على ترسيم الحدود البحرية، لا يمكن فصله عن سياق أوسع؛ إنه يمثل نقلة نوعية في عقيدة التمدد الخارجي لأنقرة، واختباراً بالغ الحساسية لأعصاب صانع القرار في القاهرة، وخلطاً لأوراق التوازنات على مشارف الصحراء الغربية لمصر.
كانت واحة الجغبوب تاريخياً بؤرة روحية ودينية ترتبط بالزوايا السنوسية وتاريخ الحدود المعقد بين مصر وليبيا، لكنها فجأة تحولت إلى نقطة ارتكاز استراتيجية يجري تجهيزها على عجل.
إن أعمال التجريف والتمهيد التي انطلقت تحت غطاء مدني عبر شركات مقاولات تركية فازت بعقود إعمار في الشرق، سرعان ما تحولت إلى بنية تحتية عسكرية ذات مواصفات قياسية لحلف شمال الأطلسي.
مدرج هبوط استراتيجي بطول يتجاوز 3600 متر، قادر على خدمة طائرات التزود بالوقود جواً وطائرات النقل الضخمة بكامل حمولتها، ما يعني قدرة تشغيلية على جسر جوي سريع في ساعات الأزمة. وحظائر طائرات مسيرة،
ومنظومات رادار وإنذار مبكر تغطي مساحات شاسعة في العمق الجغرافي للصحراء والساحل.
فالجغبوب تبعد نحو 23 كيلومتراً فقط غرب خط الحدود، وتقابل مباشرة واحة سيوة المصرية، مما يجعلها تشرف عملياً على أحد أهم المحاور التقليدية التي لطالما اعتبرتها القاهرة نطاقاً مصيرياً لأمنها القومي وأنشأت لحمايته قيادة المنطقة الغربية العسكرية وقاعدة محمد نجيب وقاعدة براني العسكرية.
هذه الخطوة لا يمكن النظر اليها إلا باعتبارها مناورة استراتيجية بالغة الدهاء والجرأة من جانب المؤسسه العسكرية في أنقرة.
إن إنشاء قاعدة بهذه المواصفات يمثل رغبة تركية في نسج شبكة قواعد تمتد من طرابلس والوطية ومصراتة في الغرب، وصولاً إلى عمق الشرق والجنوب الليبي. تركيا وفق هذا المنظورلم تعد تكتفي بالتحصن خلف خطوط التماس القديمة (سرت-الجفرة)، بل تسعى إلى ملء أي فراغ تركه انشغال القوى الدولية الأخرى، وتحويل وجودها إلى حقيقة غير قابلة للنقض بغض النظر عن المسار السياسي الذي ستتخذه السلطة في بنغازي أو طرابلس.
أما في العواصم الأوروبية، وتحديداً في باريس وروما، فتسود حالة من الترقب المشوب بالقلق البالغ؛ فالقاعدة التركية في الجغبوب، مضافاً إليها إقرار اتفاقية الترسيم البحري، تضع الوجود التركي في خاصرة أوروبا الجنوبية وحوض المتوسط بشكل مطبق، وتمنح أنقرة نفوذاً لا نظير له على خطوط تدفق الهجرة، وطرق إمدادات الطاقة، وممرات التجارة الإفريقية العابرة للصحراء.
وفي المقابل، تنظر الاستخبارات العسكرية التركية إلى هذه المنشأة بوصفها القطعة المفقودة في حماية استراتيجية الوطن الأزرق. إن تأمين المصالح البحرية والمناطق الاقتصادية المزعومة في المتوسط لا يمكن أن يكتمل بنظر المخطط العسكري التركي دون وجود قواعد برية متقدمة في العمق الليبي قادرة على توفير مظلة دفاع جوي ورصد راداري يحمي تلك المساحات المائية، بل ويحفظ خطوط الإمداد اللوجستي مع القيادات العسكرية في الشرق، وتحديداً قيادة القوات البرية التابعة لصدام حفتر وإدارات الإعمار التابعة لبلقاسم حفتر.
حين تنظر القاهرة إلى الخريطة، فإنها لا تقرأ المسألة بحسابات النيات الطيبة أو مجرد مشاريع بنية تحتية مدنية. في العقيدة العسكرية المصرية المستقرة منذ عهد الفراعنة وحتى معارك العصر الحديث، تُعد الحدود الغربية امتداداً حيوياً لأمن وادي النيل، وأي وجود عسكري لدولة إقليمية كبرى ومنافسة على بعد 23 كيلومتراً من تلك الحدود يُعد تطوراً غير مسبوق في التاريخ الحديث.
ويمثل هذا المشروع التركي تحدياً مباشراً للأمن القومي المصري على عدة مستويات جوهرية:
عندما أعلن الرئيس المصري في صيف 2020 أن خط سرت-الجفرة خط أحمر، كان الهدف تثبيت الوجود العسكري الأجنبي بعيداً عن الجوار المباشر لمصر وإبقاء الشرق الليبي منطقة عازلة خالية من الوجود التركي. إن قيام قاعدة بهذا الحجم في الجغبوب يعني عملياً الالتفاف على هذا الخط والتموضع المباشر على الحافة الغربية لمصر بموافقة وتنسيق محلي من أطراف الشرق أنفسهم.
يمنح مدرج بهذا الطول سلاح الجو والمسيرات التركية القدرة على تنفيذ طلعات مراقبة واستطلاع إلكتروني وتشويش تغطي عمق المنشآت العسكرية المصرية في المنطقة الغربية وحتى قاعدة براني، فضلاً عن مراقبة التحركات على الطرق الاستراتيجية المؤدية إلى واحات سيوة ومطروح.
تجد القاهرة نفسها محاصرة بين فكي كماشة؛ ففي البحر هناك الاتفاقية التركية-الليبية التي تحاول فرض خطوط ملاحية تؤثر على حصة مصر وحلفائها الأوروبيين، وفي البر هناك نقطة ارتكاز جوية استراتيجية على بعد دقائق معدودة بالطيران عن الأراضي المصرية، مما يحد من هوامش المناورة ويجعل أي تحرك مصري مستقبلي في ليبيا محكوماً بوجود قواعد عسكرية مقابلة.
يثور السؤال هنا بحرقة سياسية: هل يقود هذا الاحتكاك الجغرافي الخشن في رمال الجغبوب إلى مواجهة حتمية، أم أننا نشهد فصلاً من فصول التفاوض بحافة الهاوية؟
إن المنطق التاريخي وسلوك أجهزة الدولة المصرية يشيران إلى أن القاهرة لن تنجر إلى ردود فعل متسرعة، لكنها في المقابل لن تبتلع وجوداً عسكرياً معادياً أو مقلقاً على تماس مباشر مع أراضيها. الأرجح أن صانع القرار في القاهرة يدرك أن هذا المشروع لم يكن ليحدث دون موافقة وترتيبات معقدة مع أسرة المشير حفتر في الرجمة، وهو ما يعني أن القاهرة ستبدأ في إعادة مراجعة شاملة لسياساتها وتحالفاتها في الداخل الليبي؛ إذ لا يمكن القبول بأن تكون المساعدات والدعم السياسي الذي قدمته القاهرة لسنوات لمعسكر الشرق وسيلة لتمكين خصم إقليمي من النزول على أبواب سيوة ومطروح.
من جهتها، قد لا ترغب أنقرة في استخدام هذه القاعدة كمنصة هجوم مباشر، بل كورقة ضغط استراتيجية ثقيلة تفرض من خلالها على مصر الجلوس للتفاوض وفق الشروط التركية، سواء في ملف ترسيم الحدود البحرية واقتسام النفوذ في المتوسط، أو في صياغة الحل السياسي النهائي للملف الليبي، بحيث تكون تركيا الحاضر الأكبر وصاحبة الكلمة المسموعة في صناعة مستقبل طرابلس وبنغازي على السواء.
نحن إذن أمام مشهد تتزاحم فيه رمال الصحراء بأجهزة الرادار وأزيز الطائرات الثقيلة. إن واحة الجغبوب الهادئة، التي نامت لقرون تحت شمس التاريخ، تجد نفسها اليوم فجأة فوق صفيح ساخن، لتصبح الشاهد الحي على أخطر لعبة شطرنج استراتيجية عرفتها الحدود الغربية لمصر. وإذا كان الصبر سمة الدبلوماسية التاريخية لعواصم الحضارات القديمة، فإن الجغرافيا تملك دائماً كلمة الفصل؛ وحين تصبح المسافة مجرد ثلاثة وعشرين كيلومتراً بين حافة النفوذ وحافة الأمن القومي، فإن الصمت يغدو عبئاً ثقيلاً، وكل حركة فوق الرمل تصبح نذيراً بعواصف لا تبقي ولا تذر.