أنقرة وأبناء المشير.. حين تلتقي مصالح الباب العالي بطموحات الجنرال
إن إقرار البرلمان الليبي في بنغازي لمذكرة التفاهم البحرية مع تركيا، بعد سنوات طوال من الرفض القاطع وتوصيفها بـالعدوان الصريح على السيادة، ليس حادثاً محلياً عابراً إنه في جوهره تحول زلزالي في بنية الصراع الإقليمي حول شرق المتوسط وشمال إفريقيا.
هذا التحول لم يكن وليد صدفة أو نزوة طارئة، بل نتاج عمل استخباري ودبلوماسي دؤوب أداره رئيس المخابرات التركية إبراهيم كالن وفريقه المعني بالملف الليبي.
لقد أدركت أنقرة منذ انكسار حملة المشير خليفة حفتر على طرابلس في 2020، ومراوحة الميدان العسكري عند خط سرت-الجفرة، أن بقاء نفوذها محصوراً في شريط الغرب الليبي يضع قيوداً هيكلية على مشروعها الإقليمي الممتد تحت مسمى الوطن الأزرق.
كان التحالف مع حكومة الوفاق ومن بعدها حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة كافياً لصد الهجوم، لكنه ظل عاجزاً عن منح الاتفاقية البحرية الشرعية البرلمانية الدائمة التي تمنع الطعن فيها قانونياً أمام المحاكم الدولية والشركات العالمية الكبرى للطاقة.
من هنا بدأت الهندسة العكسية للسياسة التركية؛ حيث تحولت أنقرة من شيطنة الشرق إلى نسج خيوط ناعمة مع أبناء المشير، وتحديداً بلقاسم حفترمدير صندوق تنمية وإعادة إعمار ليبيا وصدام حفتر رئيس أركان القوات البرية. لقد تحركت الشركات التركية في درنة ومناطق الجبل الأخضر وبنغازي، ونالت عقوداً بمئات الملايين من الدولارات تحت غطاء إعادة الإعمار، ممهدة الطريق لزيارات أمنية وسياسية متبادلة، انتهت إلى ما كان يُعد مستحيلاً قبل سنوات. وتصويت النواب ، لصالح تمرير الاتفاقية ذاتها، لترتسم خريطة توافق ضمنية بين الطرفين اللذين خاضا حتى الأمس القريب أشرس المعارك الميدانية.
المفارقة في الرؤية التركية تكمن في أنها لا تسعى بالضرورة إلى إعادة إنتاج دولة ليبية مركزية قوية وموحدة بالمعنى الدستوري والمؤسسي التقليدي، فهذا خيار محفوف بالمخاطر وقد يفرز مستقبلاً سلطة وطنية متمردة على الوصاية الخارجية ومراجعة للاتفاقيات الموقعة في زمن الضعف. البديل التركي الأنجح والأكثر استدامة يقوم على:
صيغة الحكم المشترك البراجماتي ،أى إيجاد ترتيب سياسي-أمني يقبل بوجود قيادتين وظيفيتين تتعايشان وتتقاسمان الميزانية وعوائد النفط؛ قيادة عائلية-عسكرية ممسكة بالشرق والجنوب عائلة حفتر، وقيادة تكنوقراطية-سياسية ممسكة بالغرب تيار مصراتة وطرابلس، بحيث تكون أنقرة هي ضامن التوازن والوسيط الإقليمي الذي لا غنى عنه للطرفين معاً.
أنقرة تراهن بذكاء على مرحلة ما بعد المشير خليفة حفتر، وتعتبر أن الانفتاح على أبنائه وتمكينهم اقتصادياً وسياسياً يضمن أن تظل المصالح التركية البحرية والعسكرية محمية بغض النظر عن هوية الحاكم المستقبلي.
إن نجاح أنقرة في فتح أبواب بنغازي، حرمت كلاً من القاهرة وأثينا وأبوظبي وباريس من استخدام الشرق الليبي كحائط صد استراتيجي ومتقدم ضد الطموحات العثمانية الجديدة في البحر الأبيض المتوسط.
على الصعيدين السياسي والاقتصادي، يفتح تمرير الاتفاقية عبر برلمان بنغازي أبواباً واسعة لتغييرات عميقة تطال معادلة الطاقة والأمن القومي في الإقليم بأكمله.
حيث تمنح الاتفاقية مؤسسة النفط التركية الحق فى البدء
في عمليات المسح والتنقيب عن الغاز والنفط في مناطق بحرية شاسعة قبالة السواحل الليبية. هذا التطور يكسر الطوق الذي فرضه منتدى غاز شرق المتوسط على تركيا، ويضع ليبيا رسمياً كشريك أساسي في شبكة إمدادات الطاقة المتجهة نحو أوروبا العطشى للغاز البديل عن روسيا. كما يفتح الباب أمام تقاسم صريح لعوائد الاستكشافات بين السلطات في طرابلس وبنغازي تحت إشراف الشركات الدولية.
إن تصويت مجلس النواب في بنغازي يسقط رسمياً حجة انعدام الأثر القانوني المستندة إلى اتفاق الصخيرات2015، والذي كان ينص على أن الاتفاقيات الدولية تحتاج إلى تصديق البرلمان. بهذا التصويت، انتزعت أنقرة خاتم الشرعية من المؤسسة التشريعية المنتخبة، مما يحرم أثينا والقاهرة من حجتهما القانونية الأبرز في المحافل الدولية والأممية.
إذا وضعنا المشهد فوق طاولة التحليل ، يمكن تصنيف الأطراف الفاعلة وفق حسابات المكسب والخسارة بوضوح لا لبس فيه.
تركيا: هي الرابح الأكبر دون منازع؛ إذ حوّلت مكسباً عسكرياً هشاً في طرابلس إلى واقع جيوسياسي مستقر يحظى برضا كامل النخب السياسية المتصارعة في ليبيا. لقد نجحت أنقرة في مد خطوط نفوذها من مضيق البوسفور إلى خليج سرت، ونسفت طموحات حلفائها وخصومها في عزلها بحرياً.
وعززت قيادة الشرق الليبي مكانتها كشريك لا يمكن تجاوزه، وفتحت لنفسها نافذة اعتراف دولي وإقليمي واسعة النطاق، مدعومة بتدفقات مالية ضخمة لشركات الإعمار الخاضعة لسيطرتها المباشرة، مع تحييد التهديد العسكري التركي المستمر منذ 2019
وتتلقى أثينا الضربة الأقسى؛ فالإقرار الليبي يلغي عملياً الجرف القاري لجزيرة كريت والجزر اليونانية القريبة وفق المنظور التركي. أثينا تجد نفسها معزولة ومحاطة بممر بحري تركي-ليبي يقطع طريق مشروع خط أنابيب إيست ميد لنقل الغاز إلى أوروبا، ولم يعد بإمكانها الرهان على حلفاء الأمس في بنغازي للدفاع عن مصالحها.
تواجه القاهرة تحدياً استراتيجياً معقداً؛ فتحول بنغازي — التي كانت لعقد كامل عمقاً أمنياً مصرياً خالصاً ومظلة تحالف موثوقة — نحو أنقرة يعني تقويضاً للخطوط الحمر التي رُسمت بصرامة في صيف 2020. يضع هذا التحول صانع القرار في القاهرة بين خيارين: إما ابتلاع الطعم التركي والترسيم مع أنقرة لكسب مساحات بحرية إضافية على حساب تفكيك الحلف مع اليونان، أو التمسك بالشركاء الأوروبيين مع تحمل كلفة وجود النفوذ التركي المباشر على كامل حدوده الغربية والبحرية.
وتخرج الدبلوماسية الأوروبية عاجزة ومفتتة؛ فبينما تحاول إيطاليا تأمين مصالح شركة إيني النفطية بالتنسيق الضمني مع الجميع، تخسر فرنسا كل أوراقها السابقة في دعم الشرق الليبي، ليتحول المتوسط الجنوبي إلى بحيرة استراتيجية يتقاسم إدارتها الأتراك والروس.
إن ما جرى في بنغازي لم يكن مجرد تصويت برلماني على وثيقة إحداثيات بحرية، بل هو إعلان عن موت التوازنات القديمة وولادة واقع جديد. لقد انتصرت لغة الصفقات والمصالح المركبة على منطق الأيديولوجيا وحسابات الجوار التاريخي. وفي الشرق الأوسط والبحر المتوسط، تظل القاعدة الذهبية حاضرة دائماً: عندما ينام حراس المصالح القديمة على خرائطهم العتيقة، يستيقظ التاريخ ليجد أن الجغرافيا قد بدلت معالمها، وأن أصحاب النفوذ الجدد قد جلسوا بالفعل يقتسمون كعكة الموارد ومفاتيح البحار.