عشية الانفجار الكبير.. واشنطن وموسكو وبكين فوق صفيح مشتعل

ياسر بركات
ياسر بركات

نفدت مساحات المناورة الرمادية، وبات العالم أمام استحقاق دفع الفواتير المؤجلة. الشرق الأوسط لم يعد فقط حلبة لتسوية الحسابات القديمة، بل تحول إلى مختبر اختبار القوة للنظام الدولي، لما بعد الحرب الباردة.

واشنطن ترى أن الساعات القادمة تضع الهيبة الاستراتيجية الأمريكية على المحك الأخير، فأي انكسار أو تراخٍ في ضبط مسار الأحداث بالمنطقة لن ينعكس فقط على أمن حلفائها التقليديين أو تدفق النفط، بل سيفتح الباب على مصراعيه لانهيار منظومة الردع الأمريكية عالميًا، من مضيق تايوان إلى بحر البلطيق. الاستخبارات الأمريكية تعمل في سباق مع الزمن لمنع الحرب الشاملة التي يُجر إليها أطراف الصراع، ليس حبًا في السلام المجرد، بل إدراكًا منها بأن التورط في مستنقع عسكري واسع في هذا التوقيت بالذات هو الهدية الكبرى التي ينتظرها خصومها الكبار.

وهنا بالضبط تبرز الزاوية الأخرى للمشهد: كيف تنظر موسكو؟

في مبنى الكرملين، يُنظر إلى الساعات القادمة بوصفها فرصة استراتيجية محسوبة. الروس، بحسهم الإمبراطوري التاريخي، يدركون أن كل ضغط إضافي يُمارَس على الموارد العسكرية والسياسية للغرب في الشرق الأوسط هو خصم مباشر من رصيد الدعم الغربي لجبهة شرق أوروبا. روسيا لا تريد للمنطقة أن تهدأ، وفي الوقت ذاته تحرص كل الحرص على ألا تنفجر الأوضاع إلى مستوى يفقد موسكو نفوذها الدبلوماسي وعلاقاتها المعقدة الممتدة من طهران إلى عواصم الخليج وتل أبيب. إنها بالنسبة لموسكو لعبة حافة الهاوية المحكومة، استنزاف النفوذ الأمريكي، ودفع العالم الغربي إلى تشتيت جهوده بين جبهات متعددة، بانتظار لحظة يفرض فيها الدب الروسي شروطه لإعادة صياغة الأمن الأوروبي والدولي.

أما في بكين، فالصورة تُقرأ بعدسات مختلفة تمامًا، وبحسابات أكثر هدوءًا وعمقًا.

ينظر إلى ساعات الحسم من مدخلين لا ثالث لهما: أمن الطاقة والمبادرة العالمية للسلام والتجارة. الصين، التي تعتمد شرايين مصانعها وعجلتها الاقتصادية العملاقة على نفط الخليج وممراته البحرية من مضيق هرمز إلى باب المندب، ترى في أي انفجار شامل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. لكن بكين في المقابل تقرأ التردد والارتباك الأمريكي كدليل إضافي على شيخوخة الهيمنة الغربية. الصين ترصد بدقة كيف تتآكل القوة الناعمة للولايات المتحدة في الجنوب العالمي، وتتحين الفرصة لتقديم بكين كبديل عقلاني، كقوة وساطة وتنمية لا تتدخل في العقائد ولا ترسل حاملات الطائرات، بل تبني الموانئ وتموّل شبكات التجارة وفق منطق الحزام والطريق.

وفي العواصم الأوروبية، تبدو الصورة أقرب إلى التخبط التراجيدي. تصدر تقارير بالغة الكآبة لصناع القرار في لندن وباريس وبرلين. أوروبا تجد نفسها محاصرة بين التزاماتها الأطلسية الصلبة، وبين مخاوفها الضاغطة من ارتدادات أي انهيار إقليمي: موجات لجوء جديدة لا طاقة للقارة العجوز على احتمالها، وارتفاعات حادة في أسعار الطاقة تهدد ما تبقى من استقرارها الصناعي والاجتماعي. إن تقديرات الأوروبيين لساعات الحسم القادمة تتلخص في كلمة واحدة: الخشية من المجهول في ظل غياب قيادة سياسية غربية قادرة على رسم أفق خروج واضح.

الأزمات الكبرى لا تنفجر فجأة كالصاعقة في سماء صافية، بل تسبقها تراكمات خفية وتصرفات عابثة تلتقي عند نقطة اللاعودة. الشرق الأوسط اليوم يقف على تلك النقطة المفصلية، فالمعادلات التي صاغت المنطقة منذ قرن مضى، وكرستها حروب النصف الثاني من القرن العشرين، شاخت وتهالكت. القوى الإقليمية لم تعد تقبل بالوصاية الخارجية التقليدية، والقوى العظمى لم تعد تملك الإرادة أو القدرة على فرض إملاءاتها بالكامل.

ساعات الحسم القادمة ليست بالضرورة ضربة مدفع أولى أو إعلان حرب رسمي، الحسم الحقيقي قد يتم عبر تفاهمات سرية تحت ضغط الرعب النووي والردع المتبادل، أو عبر انهيارات هيكلية صامتة تعيد رسم الجغرافيا وتوزيع الثروات. إن العالم يقف اليوم كما كان يقف عشية صيف 1914، كل الأطراف تعتقد أنها قادرة على التحكم في مسار الرصاصة الأولى، لكن التاريخ علمنا دائمًا أن الرصاصة متى انطلقت، فإنها ترسم مسارها الخاص، وتفرض منطقها على الجميع دون استئذان.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

خرائط النار والماء.. كيف تهدد صواريخ موسكو في أديس أبابا معادلة الردع المصرية؟

بقلم ياسر بركات