هدنة الذهب الأسود... هل ينعكس تراجع النفط على رغيف الخبز؟

ياسر بركات
ياسر بركات

شهدت أسواق الطاقة العالمية، في الساعات التي أعقبت فرز أصوات الانتخابات الأمريكية ، تراجعاً لافتاً ، انحدر خام برنت وخام غرب تكساس في موجة بيع عنيفة لم تشهدها الأسواق منذ أشهر، متراجعين عن ذروة المخاوف السابقة التي غذتها التوترات المشتعلة قبالة سواحل الخليج . لماذا حدث هذا؟ وماذا يعني ذلك بلغة السياسة ومراكز صنع القرار؟
إن أسواق النفط لا تسعّر براميل الخام المادية فحسب، بل تسعّر قبل كل شيءعلاوة المخاطر الجيوسياسية، 
وطوال الأسابيع التي سبقت الانتخابات، كانت الأسواق تعيش تحت وطأة كابوس مزدوج:
احتمال تصعيد عسكري مفتوح قد يطال منشآت النفط أو يغلق مضيق هرمز الذي يعبر منه نحو خُمس الاستهلاك البترولي العالمي.
وعدم اليقين بشأن من يمسك بمفاتيح القرار التشريعي والتنفيذي في واشنطن.
وحين جاءت النتائج مكرسةً موازين قوى جديدة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري لا سيما مع تغير أغلبية الكونجرس وصعود كوابح دستورية تحد من خيارات التدخل العسكري الخارجي غير المحسوب  التقطت الأسواق أنفاسها . بدت الإدارة الأمريكية مقيدة اليدين داخلياً، ومجبرة على تجنب الحروب الكبرى، مما سحب فجأة فتيل الخوف الذي كان يرفع الأسعار بصورة مصطنعة.
وهنا يأتي البعد الآخر وهو التوجهات الأمريكية الصارمة لزيادة إنتاج النفط والغاز الصخري، لكسر التضخم المحلي، حتى لو كان ذلك على حساب حلفائها وخصومها من كبار المصدرين.
لكن السؤال الجوهري: هل هذا التراجع مستدام؟
هنا يجب أن نتوقف طويلاً، وألا نقع في فخ التبسيط الساذج،
فالإجابة تتبلور بين مسارين متناقضين:
المسار الأول :
يقوم على حقيقة أن الاقتصاد العالمي، لا سيما في أوروبا والصين، يعاني من تباطؤ ملموس في مؤشرات النمو الصناعي. يضاف إلى ذلك السياسات النقدية المتشددة لأسعار الفائدة التي أنهكت الاستثمار. وإذا أضفنا إلى هذا تدفق النفط الأمريكي والأمريكي اللاتيني نحو الأسواق بكثافة، فإن كفة المعروض تصبح أثقل من كفة الطلب، وهو ما يضع سقفاً منخفضاً للأسعار لا تستطيع تجاوزه بسهولة.
المسار الثاني :
انخفاض الأسعار إلى مستويات شديدة التدني سيصطدم سريعاً بـ جدار التكلفة ، فالنفط الصخري الأمريكي يحتاج إلى نقطة تعادل سعرية معينة ليظل مجدياً اقتصادياً ، يضاف إلى ذلك منظمة أوبك بلس التي تمتلك قدرة مناورة تقليدية لخفض الإنتاج والدفاع عن مستويات سعرية تحفظ توازنات موازناتها الوطنية.
إذن، نحن لسنا بصدد انهيار حر للأسعار، بل نحن أمام حالة من الهبوط المنضبط تفرضه توازنات الرعب الاقتصادي بين المنتجين والمستهلكين.
ودعونا نتصارح هنا ، الشرق الأوسط ليس مجرد متفرج في المسرح العالمي، بل هو خشبة المسرح ذاتها التي تدور عليها أعنف فصول الرواية.
إن عدوى الانتخابات الأمريكية لا تنتقل إلى منطقتنا بصناديق الاقتراع ولا بالديمقراطية التعددية، بل تنتقل بالتداعيات والارتدادات الاستراتيجية ، ولعل أبرز هذه الارتدادات يتجلى في نقطتين بالغتَي الأهمية:

الاولى ،حين تشعر عواصم المنطقة بأن الإدارة الأمريكية باتت تواجه كونجرس معارض يمارس رقابة مشددة على التمويل العسكري ومبيعات السلاح، تدرك هذه العواصم فوراً أن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد شيكاً على بياض . هذا التحول يدفع دول الشرق الأوسط دفعاً إلى تسريع سياسات التهدئة الإقليمية، وتصفير المشاكل مع الجيران  بدءاً من محاور طهران والرياض والقاهرة وأنقرة، وبناء تحالفات متوازنة مع قوى الشرق الصاعدة كالصين وروسيا.
الثانية ، علمتنا تجارب العقود الماضية أن أي تغيير في مزاج الناخب الأمريكي ينعكس فوراً على شهية واشنطن للانخراط في أزمات المنطقة . واليوم، تبدو النخبة الحاكمة في واشنطن أكثر اهتماماً بملفات الداخل، وحروب التجارة مع بكين، وتطويق التضخم الداخلي،  الشرق الأوسط يقرأ ذلك بعين ثاقبة ، لا أحد سيأتي لخوض معارك الآخرين بالنيابة، وحماية الممرات الملاحية وأمن الإقليم ستصبح مسؤولية إقليمية مشتركة أكثر من كونها مهمة أمريكية .
إن تراجع أسعار النفط يُعد بمثابة حقنة أوكسجين للاقتصاد العالمي المنهك. فالنفط ليس مجرد سلعة تُحرق، بل هو العصب الأساسي لسلاسل الإمداد العالمية ، هو وقود السفن التي تنقل الحبوب والأدوية، وهو الطاقة التي تشغل مصانع الأسمدة والصلب والبلاستيك.

وعليه، فإن انخفاض أسعار الخام يحمل فوائد مباشرة حيث ،
انخفاض كلفة الطاقة يقلل تكاليف الشحن والإنتاج الزراعي والصناعي، مما يسمح للبنوك المركزية بوقف مسلسل رفع الفائدة أو البدء في خفضها، الأمر الذي يحرر مساحات من السيولة للنموالاقتصادى. 
تخفيف العبء عن موازنات الدول المستوردة للنفط ، دول مثل مصر والأردن والمغرب وتركيا والعديد من بلدان آسيا وأفريقيا، تستنزف فاتورة استيراد الطاقة احتياطياتها النقدية. تراجع الأسعار يمنح هذه الحكومات هامشاً مالياً يمكن توجيهه لدعم الخدمات الأساسية وحماية الطبقات الهشة.
ولكن، هل الصورة وردية تماماً؟
الواقع لا يعرف اللون الأبيض الخالص ، فبينما يستفيد المواطن في الدول المستوردة للنفط من انخفاض أسعار السلع، يواجه المواطن في الدول المنتجة والمصدرة للنفط معضلة مغايرة ، تراجع الإيرادات الحكومية قد يقود إلى سياسات تقشفية، وتأجيل للمشاريع الكبرى، وفرض ضرائب أو خفض للدعم الحكومي.
يضاف إلى ذلك ظاهرة يصفها علماء الاقتصاد بـ لزوجة الأسعار فالأسعار ترتفع كالسهم مع صعود النفط، لكنها تهبط بريشة بطيئة جداً حين يتراجع النفط، بفعل جشع الأسواق وسلاسل الوسطاء وتضخم هوامش الأرباح الاحتكارية. وبالتالي، لن يشعر المواطن العادي بالأثر الإيجابي لتراجع النفط بين عشية وضحاها، بل يحتاج ذلك إلى شهور من الاستقرار، وإلى رقابة حكومية صارمة تحمي المستهلك من المضاربات.
إننا نعيش في عالم يمر بحالة مخاض جيوسياسي نادر، الانتخابات الأمريكية ليست نهاية المطاف، وانخفاض أسعار النفط ليس سوى فصل واحد في رواية لم تكتمل بعد.
إن ما نشهده اليوم يؤكد درساً تاريخياً قديماً: النفط والسياسة في هذا العالم توأمان لا ينفصلان ، فحين يعطس الناخب في أوهايو أو بنسلفانيا، قد يصاب تاجر البضائع في أسواق القاهرة أو مومباي بالزكام، وحين تتغير مقاعد الكونجرس في كابيتول هيل، يعاد تسعير برميل النفط العابر في باب المندب ومضيق هرمز.
إن العالم يتغير، وقواعد اللعبة الاقتصادية بعد الانتخابات الأمريكية أصبحت أشد شراسة وتعقيداً؛ وعلينا في منطقتنا العربية ألا نكتفي بدور المتلقي للصدمات، بل أن نقرأ السطور وما بين السطور، لنحمي أمننا الغذائي واستقرارنا المعيشي في وجه عواصف لا ترحم من يغفل عن فهم حركتها الحقيقية.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

هدنة الذهب الأسود... هل ينعكس تراجع النفط على رغيف الخبز؟

بقلم ياسر بركات