بين ديترويت والقاهرة.. لماذا انتخبه الأمريكيون وضاقت به عواصم العرب؟
ما جرى في ولاية ميشيجان في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس ليس مجرد مقعد نيابي انتقل من يد إلى يد، ولا هو مجرد فوز انتخابي عابر لطبيب وعالم أوبئة يحمل اسماً عربياً وإسلامياً هو الدكتور عبد الرحمن محمد السيد، بل هو في حقيقته علامة فارقة تكشف عن شروخ بالغة الأهمية في جدار الإمبراطورية الأمريكية.
لكن استوقفتني لقطة ذات دلالة رمزية هائلة. كان نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، قد حشد خطابه بالتحذير من عبد الرحمن السيد، واصفاً إياه بأنه خطر على الهوية وأنه يمثل تياراً راديكالياً. فرد عليه الشاب القادم من خلفية مصرية بطمأنينة وابتسامة ساخرة أمام مؤيديه: فانس حبيبي... أنت لا تفهم أمريكا ولا تعرف هذا البلد. هذه العبارة لم تكن مجرد رد انتخابي سريع، بل كانت تعبيراً مكثفاً عن انقلاب موازين الثقة بالنفس، وجرأة غير مسبوقة تكسر عقدة الخوف التي لازمت الأقليات لعقود داخل عاصمة القرار الأمريكي.
كيف استطاع رجل اسمه عبد الرحمن، وابن لمهاجرين مصريين، أن يخاطب القلب الصناعي لأمريكا ،
وينال ثقة عمال مصانع السيارات، والطبقات الوسطى البيضاء، والكتل الطلابية، وحتى قطاعات واسعة ومؤثرة من الصوت اليهودي الليبرالي؟
السر هنا، يكمن في انتقال الخطاب التقدمي من سياسات الهوية الضيقة إلى سياسات المعيشة اليومية. عبد الرحمن السيد لم يخض معركته كمرشح جالية، ولم يقدم نفسه كضحية تنتظر عطف المؤسسة. بل تقدم كطبيب للصحة العامة حاصل على الدكتوراه من جامعة أكسفورد والطب من جامعة كولومبيا، وشخص كان على تماس مباشر مع أزمات الناس حين قاد دائرة الصحة في ديترويت عقب إفلاس المدينة، وواجه أزمة تلوث المياه بالرصاص في مدينة فلينت.
لقد تحدث الرجل بلغة الاقتصاد الحقيقي معتبراً أن المرض لا يفرق بين جمهوري وديمقراطي، ولا بين بين مسلم ومسيحي ويهودي.
حارب جشع شركات التأمين والأدوية ، طارحاً رؤية ملموسة لإلغاء الديون الطبية عن كاهل الأسر.
دافع عن حقوق العمال والنقابات ، وهو ما جذب عمال السيارات ونقابات العمل الكبرى في ديترويت وضواحيها.
وهنا نصل إلى النقطة شديدة الإثارة: لماذا انتخبه قطاع معتبر من الناخبين اليهود؟
إن الكتلة الناخبة اليهودية في الولايات المتحدة ليست كتلة صماء فالأجيال الشابة والمنظمات التقدمية تنحاز بشكل متزايد لقضايا العدالة الاجتماعية وتناهض الانزلاق نحو الخطاب اليميني الفاشي. وحين رأت هذه المجموعات أن اليمين المتطرف، ورموزاً في إدارة ترامب وفانس، يستحضرون خطاباً إقصائياً يهدد الديمقراطية، وجدوا في عبد الرحمن السيد شريكاً مبدئياً يدافع عن الحريات المدنية والدستور بمفهومه الإنساني الشامل.
إلا أن المشهد الأكثر مدعاة للتأمل والدهشة لا يقع على ضفاف بحيرة إيري أو في أروقة الكابيتول، بل على شاشات الفضائيات ومنصات التواصل في بلادنا العربية،
فبينما كان المراقبون في واشنطن يتحدثون عن نجاح استثنائي وتاريخي لرجل عربي الأصل يخترق مجلس الشيوخ الأمريكي أرفع وأكثر المجالس تشريعاً ونفوذاً في العالم انطلقت في منطقتنا حملة تشكيك عاتية. وبدأت ماكينات الاتهام تعمل بطاقتها القصوى.
تارة يصفونه بأنه أداة في يد قوى خفية.
وتارة يتهمونه بالتبعية لأجندات لا تناسب ثوابت المنطقة.
وتارة أخرى يسقطون عليه صراعات الشرق الأوسط الداخلية وخلافات الأنظمة مع المعارضة.
هذا الفصام النفسي والسياسي يكشف عن أزمة بنيوية عميقة في عقلية النخب التابعة في العالم العربي. لقد اعتادت هذه النخب أن ترى الأمريكي العربي إما مجرد مخبر ينفذ سياسات الهيمنة، أو مجرد متسول على موائد جماعات الضغط. أما أن يظهر نموذج مستقل، ينتمي إلى جيل واثق، يتحدث بندية كاملة، ويسخر علناً من نائب رئيس الولايات المتحدة قائلاً: أنت قادم من أوهايو لتلقننا درساً في الوطنية؟، فهذا نموذج يربك حسابات الكثيرين. يربكهم لأنه يثبت أن النجاح ممكن بالنزاهة والعمل الجماهيري والبرامج الحقيقية، وليس بتقديم فروض الولاء والطاعة للأجهزة واللوبيات.
في المقابل، لماذا كل هذا الرعب والهستيريا في معسكر اليمين الأمريكي؟
إن الحملة التي شنها جي دي فانس وحلفاؤه ، لم تكن المسألة مجرد خسارة مقعد ، فاليمين الأمريكي يرى في عبد الرحمن السيد كابوساً ديموغرافياً وسياسياً يتجسد على أرض الواقع.
حيث اعتمد الخطاب الشعبوي لعقدين على شيطنة الاسم العربي والإسلامي لإخافة الناخبين. وعندما يفوز مرشح اسمه عبد الرحمن بأغلبية مريحة في ولاية متأرجحة وحاسمة كميشيجان، فهذا يعني أن سلاح التخويف بدأ يفقد فاعليته وبريقه.
ورفض عبد الرحمن السيد تلقي أموال لجان العمل السياسي للشركات الكبرى ،
مما يحرم رأس المال السياسي من السيطرة عليه ويجعله مستقلاً أمام مصالح المجمع الصناعي والطبي والنفطي.
كما أن التحالف الذي شكله عبد الرحمن جمع بين العرب والمسلمين والأفارقة الأمريكيين والعمال البيض والنشطاء الشباب واليهود التقدميين، وهو التحالف الذي ترتعد منه فرائص اليمين، لأنه الصيغة القادرة على عزل الشعبوية وإسقاط مشروعها في معاقلها التقليدية.
إن السياسة، لا تقبل الجمود ، وصعود عبد الرحمن محمد السيد إلى مجلس الشيوخ الأمريكي ليس نهاية المطاف، بل هو إيذان بمرحلة جديدة ستكون فيها معارك قادمة بالغة التعقيد والضراوة داخل أروقة واشنطن.
حين رد عبدالرحمن على جي دي فانس بتلك السخرية الواثقة، لم يكن يسخر من شخص نائب الرئيس فقط، بل كان يبتسم في وجه حقبة كاملة من الابتزاز السياسي والترهيب الفكري ، وتبقى العبرة التي يجب أن تلتقطها العواصم العربية: إن العالم يتغير بسرعة تفوق خيال الغارقين في هواجسهم القديمة، وأن القوة الحقيقية في هذا العصر هي قوة الفكرة، ونظافة المبدأ، والقدرة على مخاطبة تطلعات الشعوب الحية، سواء كانت على ضفاف النيل أو على شواطئ بحيرة ميشيجان.