المستشار محمد عبدالغفار عاش فقيراً ومات منسياً.. قصة القاضي الذي أنقذ رقاب قيادات الجماعات الإسلامية من حبل المشنقة

الموجز
كان معظم المتهمين في تلك القضية ينتمون إلي فصيلين شهيرين هما الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد المصرية وكان عدد المتهمين فيها قرابة الــ 1000 متهم منهم 302 من القيادات البارزة ، وهي القضية الوحيدة في تاريخ مصر التي طالبت النيابة بإعدام كل المتهمين المتورطين فيها.
وهي القضية الوحيدة أيضا التي بنيت لها قاعات خاصة في أرض المعارض بمدينة نصر بالقاهرة ثم أزيلت هذه القاعات بعد ذلك فلم تكن هناك قاعة محكمة في مصر تسع هذا العدد ، وكان القاضي يسمح فيها لكل متهم بالحديث عن الإسلام والفكرة الإسلامية. واستغرق نظر تلك القضية أكثر من ثلاث سنوات كاملة رغم تواصل الجلسات ليلا نهارا.. ورغم أن بعض هذه الجلسات كان يمتد من الصباح حتي التاسعة مساء وبعضها كان يستمر عشر ساعات كاملة.
وهي القضية الأولي والأخيرة في مصر التي شاركت كل الأطياف السياسية في تبنيها وساهم محامون من كل هذه الأطياف في الدفاع فيها فكان منهم الإسلاميون واليساريون والناصريون والقوميون والليبراليون
كما ترافع فيها أساطين المحاماة في مصر بدءاً من الدكتور حلمي مراد وزير التعليم الأسبق والأمين العام لحزب العمل والدكتور عصمت سيف الدين ونبيل الهلالي.. والدكتورعبد الحليم مندور والدكتور عبد الحليم رمضان والمسماري وكيل نقابة المحامين وشمس الدين الشناوي وأحمد الخواجة نقيب المحامين وعبدالعزيز الشرقاوي و كمال خالد .. وإنتهاء بكامل مندور ويوسف صقر وسعد حسب الله وغيرهم مما كانوا شبابا ً وقتها .
وهي القضية الوحيدة التي أحب فيها كل أطراف القضية القاضي قبل الحكم وبعده حتي أن كل المتهمين الذين حكم عليهم المستشار عبد الغفار بالمؤبد كانوا يدعون له ويحبونه ويثنون عليه في سرهم وعلانيتهم ويكنون له حتي اليوم كل تقدير.
أما المحامون جميعا ً فكانوا يحملون له أعظم تقدير ومازالوا يذكرونه حتي اليوم بكل خير وبعضهم يقول لم نر قاضيا ً عظيما ً في حياتنا القانونية مثل المستشار عبد الغفار محمد.
وهي القضية الوحيدة في تاريخ مصر التي خرجت المظاهرات بعد النطق بالحكم من أهالي المتهمين تكبر وتهلل فرحة بهذا الحكم هذه أول مرة في تاريخ القضاء المصري تصدر فيها أحكام بالسجن المؤبد ويخرج أهالي المحكوم عليهم في مظاهرة تأييد وفرحة بالحكم ومن يطالع حيثيات القضية يعرف قيمة هذا المستشار العظيم الذي كان يسميه المحامون " أبو المعارك "لشدته في الحق ولدخوله في مشاكل ومصادمات قانونية كثيرة في شبابه.
لقد ذكر كامل مندور المحامي الشهير بالنقض أن والده قال له ذات مرة وهو محام صغير: أنظر يا كامل إلي هذا الرجل الواقف علي محطة الأتوبيس ليركب الأتوبيس العام مع عوام الناس إنه المستشار عبد الغفار محمد من أشهر وأنظف قضاة الاستئناف في مصر وذلك قبل تسلمه أكبر قضية في تاريخ مصر.
لقد عاش الرجل طوال حياته كلها نظيفا ً عفيفا ً متجردا ً حتي إنه لم يملك سيارة حتي لقي ربه ولم يملك مكتبا ً للمحاماة بعد خروجه للمعاش فقد كان يمارس المحاماة من خلال مكتب يوسف صقر المحامي.
وذكر المحامي كامل مندور أن قضية من قضايا الفساد المالي الكبري في السبعينيات في مدينة بورسعيد استعصت علي وزارة العدل المصرية حيث إنهم كلما جاءوا بقاض حاول المتهمون رشوته فلم يجدوا بدا من تكليف المستشار عبد الغفار برئاسة المحكمة في هذه القضية، ويأس أهالي المتورطين من رشوته أو مجرد التفكير في ذلك وظنوا أنه سيبطش بهم ورغم ذلك حكم عليهم بالبراءة لعدم كفاية الأدلة ولو كان غيره لحكم عليهم بأحكام مشددة حتي لا يتهم بشيء فكان المتهمون في ذهول من هذا الرجل الذي يرفض الرشوة مطلقا ً ويحكم عليهم بالبراءة في الوقت نفسه.
وفي شهادته عن المستشار عبدالغفار محمد يقول الدكتور ناجح إبراهيم القيادي البارز بالجماعة الإسلامية وأحد الذين حكم عليهم بالمؤبد في قضية تنظيم الجهاد الحقيقة : " وقتها كلنا كنا نعلم يقيناً انه لو تركت القضية لغير هذا الرجل لنكل بنا تنكيلا وكل أوراق القضية وقتها كانت ستساعده علي ذلك. ولعل في هذا درساً بليغاً في فقه الموازنات.. وفقه المصالح والمفاسد الذي تحتاج إليه الحركة الإسلامية اليوم أكثر من ذي قبل".
ويذكر إبراهيم تفاصيل إحدي زياراته للمستشار عبد الغفار محمد فيقول: في إحدي الزيارات فجر لنا مفاجأة حيث قال لنا لقد كان هناك تردد في الدولة بعدم تنفيذ الأحكام التي أصدرتها عليكم وكانت تشمل خروج كل المتهمين من السجن ماعدا سبعين متهما ً حيث أراد البعض استغلال قانون الطوارئ لعدم تنفيذ الحكم لكن الرئيس مبارك حسم الأمر وقتها بقوة وأمر بتنفيذ الحكم في نفس الليلة وفعلا ً تم الإفراج عن كل هؤلاء في نفس اليوم .
ويضيف إبراهيم : " قال المستشار عبدالغفار اتصل بي رجاء العربي النائب العام وأخبرني بأن اللواء حسن أبوباشا وزير الداخلية واللواء فؤاد علام سيعتقلان كل المفرج عنهم ولن يخرجوهم فبادرته: وهل سترضي بذلك فأجابني: بأنه لا يستطيع ان يفعل شيئاً فأمسكت الهاتف وطلبت الرئيس مبارك شخصيا وقلت له كيف أعطي براءة للناس ثم لا يفرج عنهم فأجابني بأنه ليس لديه علم بهذا ولا يمكن أن يسمح بشيء مثل ذلك وأن أحكام القضاء تنفذ فورا وانه سيأمر بتنفيذ حكم الإفراج فورا وسيتابع ذلك بنفسه ولم تمض إلا ساعات وتم تنفيذ الحكم والإفراج عن المتهمين الحاصلين علي البراءة ويقول الشيخ أسامة حافظ نائب رئيس مجلس شوري الجماعة الإسلامية: " هذا الرجل لو طبق القانون علينا بدون تخفيف لكنا في عداد الموتي منذ ثلاثين عاما فكان علي الأقل سيعدم 25 واحدا منا لكنه طبق علينا المادة 17 من القانون التي تخفف الأحكام عن الذين يرتكبون الجريمة لغرض نبيل وقال وقت نطق الحكم إنني مضطر شرعا ومرغم قانونا أن أحكم في هذه القضية ".
ويضيف حافظ : " كان المستشار عبدالغفار يسمح لنا قبل بدء الجلسة بأن يقف أخ منا يقول كلمة عن أمر من أمور الدين وكانت توضع في محضر الجلسة حتي أصبح هناك 63 كلمة في 63 جلسة هي عدد جلسات محاكمتنا ، وكنا نستقبل المستشار عبد الغفار عندما يقول الحاجب محكمة بأن يقف أحدنا ويقول إن الحكم إلا لله ثلاث مرات ونحن نردد وراءه وكان يظل المستشار واقفا لا يجلس إلا بعد أن ننتهي من هتافنا ، ولم أر في حياتي إنسانا لديه ذاكرة مثل المستشار عبد الغفار محمد فكان أحيانا بعض المحامين أثناء المرافعات في القضية يسرح ويتوه في الكلام ويبدأ يتحدث في أي شيء والسلام ظنا منه أن القاضي في غفلة ، وكان المستشار عبد الغفار يسأل فين الكلام ده يا أستاذ فيرد عليه المحامي موجود في محضر القضية ياريس فيشير إليه المستشار بأن يأتي إليه ويخرجه من محضر القضية الرجل كان حافظا لمحضر القضية الذي يتكون من 22 ألف ورقة غير الأوراق الثانية ".
ويكمل : " كنا نعتقد أنه لن يتذكرنا فكنا حوالي 300 متهم في القفص وقد أصابنا الذهول عندما دخلنا الغرفة التي يعيش فيها الرجل حيث وجدناها في غاية التواضع ولا تحظي بأي قدر من الترتيب أو العناية وأظن أن الأثاث الذي كان بها هو نفس الأثاث الذي تزوج به الرجل منذ سنوات طويلة فقد بدا عتيقا ً جدا، لقد وجدنا الرجل ضعيف الجسم واهن العظم ويشكو من آلام كثيرة في جسده عامة وفي قدميه خاصة نتيجة مرض السكر ولا يري شيئاً أمامه ورغم ذلك كان يتمتع بذاكرة قوية ووجدت أن عقله وذهنه وفكره في منتهي الحيوية رغم أنه شبه معزول عن الدنيا ولا يربطه بها سوي صوتي الراديو والتليفزيون بجواره، وجلسنا بجواره فأدركنا من أول وهلة أن الرجل قد كف بصره وأنه يعتمد علي أذنيه للتواصل مع الآخرين ثم قال لنا بعد أن تحدثنا طويلاً وكثيراً أنا لم أظلم أحداً منكم ولم أظلم أحداً في حياتي وأنا راض عن نفسي قبل أن أموت وألقي الله سبحانه وتعالي ولا أطلب من الله سوي حسن الخاتمة لقد بنيت هذا البيت لأولادي بعد أن أخذت قرضاً من عملي ولولا ذلك ما استطعت بناءه ويتابع حافظ : " ثم سأل عن الإخوة واحداً واحداً وفرح كثيراً بالإفراج عنهم ثم سأل عن الشيخين عبود وطارق الزمر وحزن كثيراً لبقائهما حتي اليوم في السجن ثم قال لي قل للشيخ عبود أنني لم أظلمه وإنني كنت عادلاً معه وأمنيتي أن يخرج من السجن قريبا ً ثم وجه كلامه لي : أنت يا أسامة لم تحضر اجتماع مجلس الشوري بتاريخ 28سبتمبر والذي تقرر فيه اغتيال السادات ولذلك خففت الحكم عليك إلي عشر سنوات أليس كذلك .. ثم قال هل تعلم أنني أول وآخر قاض في مصر يستطيع إلغاء حكم محكمة عسكرية عليا لقد أثار هذا الأمر وقتها ضجة كبيرة. وكانوا يقولون كيف تجرؤ علي فعل ذلك ولكن النيابة العامة التزمت بما قلت في منطوق الحكم أمام إصراري علي ذلك وتمسكي به تمسكاً شديداً لقد كانت هذه القضية خطيرة جدا ًوكان الجميع يتحاشي أن يكون طرفاً فيها لحساسية الموقف ولكنني توكلت علي الله وقلت لنفسي مادمت سأقيم العدل والحق فلن يكون هناك إلاالخير، وقد اتصل بي أحد مسئولي الأمن الكبار ليلة النطق بالحكم عليكم وقال لي: يا سعادة المستشار سنشدد الحراسة عليك في هذه الأيام .. فقلت له: يا باشا لا تقلق فالحارس هو الله سبحانه ولا تشغلوا أنفسكم بهذا الأمر.
كان المستشار عبد الغفار محمد في آخر أيام حياته يشتري علاجاً كل شهر له ولزوجته بقرابة ألفي جنيه حيث كان يعيش هو وزوجته المقعدة علي العلاج ورغم ذلك لم يطلب إحسانا من احد ، وعندما سأله قيادات الجماعة الإسلامية لماذا تشتري علاجا ً والتأمين الصحي للقضاة علي أعلي مستوي ؟ قال: لا تصدقوا هذا فلا أحد يهتم بأمثالنا علي الإطلاق وآخر مرة عولجت فيها علي نفقة الدولة حينما كنت أرأس المحكمة وأصيبت عيني بانفصال شبكي حاد منعني من الرؤية وقتها ذهبت للعلاج علي نفقة الدولة في بريطانيا ثم ذهبت مرة أخري علي حسابي بعد خروجي للمعاش ولكن دون فائدة وأنا الآن كما ترون والحمد لله علي كل حال. ويقول حافظ : "أثر فيَّ كثيراً حزن المستشار علي أن الحيثيات التي ذكرها في النطق بالحكم علينا لا يعرف عنها أحد شيئاً ولم يشر إليها أحد ولم تنشر في كتاب أو تعرض في برنامج حيث كانت أمنيته أن تنشر بعض هذه الحيثيات ليستفيد منها الناس الا أن المنية قد وافته قبل أن يري ذلك".
الجدير بالذكر انه بعدما أجري المستشار عبد الغفار عملية جراحية في لندن وكانت أثناء سير القضية وبعد عودته اتصل به الرئيس مبارك ليطمئن علي صحته ويبارك له علي نجاح العملية فرفض أن يرد عليه أو يكلمه في التليفون باعتبار أن مبارك طرف في القضية ولا يجوز أن تكون هناك أي علاقة بينهما من أي نوع وذلك درءا للشبهات، وعندما سألوه عن أولاده وأحفاده قال لهم : «لا تذكروني كثيراً بالأحفاد لقد كانوا يقبلون يدي ويهتمون بي حينما كنت في المنصب أما اليوم فلا يفعلون ذلك ولا يسألون عني إلا نادراً».
فرد عليه قيادات الجماعة : «إذا كان أحفادك وأولادك لا يقبلون يدك فنحن نقبل يدك ونحن أولادك وأحبتك ونفخر بأن نقبل يد أعظم قضاة مصر عدلاً وحلماً وفقهاً ونزاهة ثم قبل يده ناجح إبراهيم ثم قبلها الشيخ أسامة وكذلك جميع الموجودين.
تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

ما وراء الدخان.. هل يكتب الجنوب اللبناني سطر النهاية فى العقيدةالصهيونية ؟

بقلم ياسر بركات