خريف الجبابرة.. وحوش الأدغال يحاصرون الكيان

ياسر بركات
ياسر بركات

تدخل المواجهة الإقليمية في صباح  اليوم منعطفاً حاسماً يعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، حيث وجدت إسرائيل نفسها اليوم غارقة في أسوأ حرب استنزاف في تاريخها، وهي حرب لم تعد تقتصر على حدودها الجغرافية التقليدية بل امتدت لتشمل جبهات مشتعلة تدار بعقلية "النقاط القاتلة".

 ولعل التحول النوعي الأبرز في هذا المشهد هو الدخول الرسمي والمباشر لجماعة "أنصار الله" في اليمن إلى خط المواجهة المباشرة، حيث أطلق "وحوش الأدغال" أولى رشقاتهم الباليستية باتجاه عمق الجنوب الإسرائيلي، لتصل الرسالة اليمنية لأول مرة إلى "ديمونا" موقع المفاعل النووي، وبئر السبع، وإيلات. 

 

هذا التطور لا يمثل مجرد خرق أمني، بل هو إعلان صريح عن "وحدة الساحات" عملياً، حيث لم يعد اليمن جبهة مساندة بل أصبح طرفاً أصيلاً يضع المفاعل النووي الإسرائيلي ضمن دائرة الاستهداف المباشر، محولاً صواريخه التي لا تتجاوز كلفتها ثلاثين ألف دولار إلى كابوس استنزاف مالي لمنظومات الاعتراض الإسرائيلية التي تُهدر الملايين في كل محاولة تصدي.


وعلى الجانب اللبناني، انتقل حزب الله من مرحلة قصف الاستنزاف التقليدي إلى العمليات النوعية والكمائن البرية المحكمة، حيث سجلت الساعات الأخيرة نجاحاً لافتاً في استهداف مقر استخبارات الجيش الإسرائيلي شمال شرق صفد، بالتوازي مع تنفيذ كمين قاتل لقوة إسرائيلية حاولت التقدم من منطقة "الطيبة" باتجاه الليطاني، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الاحتلال. 

 

هذا التحول يعني بوضوح أن الحزب قد استدرج القوات الإسرائيلية إلى حرب عصابات برية ترفع كلفة أي توغل شمالاً، وترسل رسالة دموية بأن الحدود لن تكون آمنة، وأن العمى الاستخباراتي الذي أصاب الاحتلال بعد ضرب مقراته في صفد وجبل الشيخ سيجعل من أي خطوة برية مقامرة انتحارية. 

 

تتكامل  هذه المشاهد مع الإنذار الإيراني الأخير الذي أصدره الحرس الثوري، محذراً من استهداف عصب الصناعة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، مما يعني أن المحور انتقل من الدفاع إلى الهجوم المتعدد المستويات؛ صواريخ من اليمن، كمائن برية في لبنان، وتهديد بضرب المصالح الاقتصادية الكبرى في الخليج.


وفي خضم هذا الغبار العسكري، تبرز الفضيحة السياسية الكبرى في واشنطن مع خروج دونالد ترامب بمواقف متناقضة تعكس حجم الارتباك الأمريكي؛ فبينما يعلن بلهجة استعراضية أن "تغيير النظام الإيراني قد تحقق بالفعل" في محاولة لرسم نصر سياسي مبكر، يقوم في الوقت ذاته بتعزيز الوجود العسكري عبر إرسال حاملة الطائرات "جورج بوش" إلى المنطقة ودراسة إرسال آلاف الجنود الإضافيين.

 

 هذا التناقض يشير إلى أن واشنطن تحاول تمهيد الطريق لانسحاب مستقبلي عبر ادعاء إنجاز المهام، بينما الواقع الميداني يفرض عليها مزيداً من التورط. كما لم يخلُ حديث ترامب من "البجاحة" السياسية المعهودة، حيث وجه اللوم لحلف الناتو الذي خذله، مشيداً في المقابل بما وصفه بـ "شجاعة الحلفاء المخلصين" في الشرق الأوسط الذين استنزفوا صواريخ الباتريوت للدفاع عن المصالح الأمريكية.


إننا اليوم أمام سيناريوهات مفتوحة حيث يتوقع أن تنفذ إيران تهديدها بضرب الصناعات المرتبطة بالاحتلال، وبين احتمالية الانزلاق إلى حرب شاملة قد تطال المنشآت النووية والقواعد الأمريكية. الخسائر الإسرائيلية التي بدأت كأرقام في البورصة وانتهت كأشلاء في كمائن الطيبة ونزيف في ملاجئ ديمونا، وموقف واشنطن المتخبط الذي يستجدي الدعم من حلفائه بعد خذلان الناتو، كلها مؤشرات تدل على أن زمن الهيمنة المطلقة قد ولى.

 

 الليلة لا تزال طويلة، والمعركة تتسع لتشمل الجغرافيا والاقتصاد والدين، وتحت وطأة صواريخ اليمن ورجال الميدان في لبنان، يثبت محور المقاومة أن "صاحب الشفت الليلي" يمتلك زمام المبادرة، وأن أي محاولة لإعادة صياغة المنطقة عبر اتفاقيات مشبوهة ستتحطم فوق رؤوس أصحابها، تماماً كما تحطمت أسطورة الأمن الجوي والبري في قلب الكيان المحتل.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

خريف الجبابرة.. وحوش الأدغال يحاصرون الكيان

بقلم ياسر بركات