كوابيس "الجمعة السوداء" على ترامب

ياسر بركات
ياسر بركات

في تحول دراماتيكي لم تشهده الساحة الدولية منذ عقود، وتحديداً منذ "خريف كابول" المرير، يجد سلاح الجو الأمريكي نفسه اليوم أمام واقع ميداني مأزوم في مواجهته المباشرة مع إيران، لم يعد الحديث يدور حول "تغيير النظام" أو السيطرة الجوية المطلقة على يد إيران، بل أنتقل إلى مربع التساؤلات الوجودية حول القدرة على حماية العنصر البشري وتأمين المقاتلات الأحدث في الترسانة الأمريكية. 

يأتي تصريح رئيس مجلس النواب الإيراني، محمد باقر قاليباف، ليلخص المشهد بلهجة تهكمية حادة، مشيراً إلى أن الهزائم المتتالية التي منيت بها الإستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية المفتقرة للرؤية قد قلصت سقف الطموحات من إسقاط دول إلى البحث اليائس عن طيارين مفقودين في التضاريس الوعرة، واصفاً ما يحدث بـ"العبقرية المطلقة" في الفشل الإستراتيجي.


لقد عاشت واشنطن ما يمكن تسميته بـ"الجمعة السوداء" في سماء إيران ومحيطها البحري، حيث سجلت سجلات البنتاجون خسائر تقنية ومعنوية فادحة خلال 24 ساعة فقط. البداية كانت مع تحطم المقاتلة الاستراتيجية F-15 في العمق الإيراني، ورغم نجاة الطيار، إلا أن "الملاح" لا يزال مفقوداً، مما وضعه في مركز أهتمام الرئيس دونالد ترامب الذي صرح لصحيفة "الإندبندنت" بأنه ليس مستعداً للإعلان عن طبيعة الرد الأمريكي في حال تعرضه للأذى، وهو تصريح يعكس حجم الضغط السياسي الداخلي.

 

لم تقف الكارثة عند هذا الحد، بل أمتدت لتشمل سقوط "الدبابة الطائرة" A-10 قرب مضيق هرمز، وإصابة مروحية "بلاك هوك" بنيران مباشرة أثناء محاولتها تنفيذ عملية إنقاذ فاشلة، فضلاً عن نداء الإستغاثة الذي أطلقته مقاتلة F-16CJ "Wild Weasel" وأضطرارها للهبوط في الأراضي السعودية، هذه الثلاثية الدامية تثبت بحسب خبراء عسكريين؛ أن الدفاعات الجوية الإيرانية المتطورة، التابعة لمقر "خاتم الأنبياء"، قد نجحت في كسر "شفرة التشويش" الأمريكية، محولة الأجواء إلى "منطقة قتل" تكنولوجية لا ترحم.


على الأرض، لم تكن الصورة أقل قتامة؛ ففي مشهد يعيد للأذهان الأنسحابات الأضطرارية الكبرى، كشفت تقارير عن عملية إجلاء طوارئ واسعة شملت 1500 عسكري أمريكي وعائلاتهم من قاعدة الدعم في البحرين، عصب الأسطول الخامس الأمريكي، شهادات "الفيلق الأمريكي" وصفت الهروب بأنه تم بـ"حقيبة ظهر" فقط، حيث ترك العسكريون ممتلكاتهم تحت وطأة ضربات المسيرات والصواريخ البالستية التي أستهدفت مراكز القيادة والتحكم. وصول القوات التي تم إجلائها إلى قاعدة "نورفولك" في فيرجينيا بملابسهم الميدانية يمثل إعترافاً ضمنياً بإنهيار "المظلة الدفاعية" والردع الذي راهنت عليه واشنطن، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كان هذا هو "تأثير الدومينو" الذي سيشمل بقية القواعد في المنطقة.


وبينما تحترق الجبهات عسكرياً، أشتعلت الجبهة السياسية والدبلوماسية بـ"صفعات" أوروبية غير مسبوقة. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في رد إستراتيجي على إساءات ترامب الشخصية، وجه درساً قاسياً للإدارة الأمريكية، مذكراً إياها بفشل تجارب العراق وأفغانستان وليبيا، ومؤكداً أن "لغة الصواريخ" لن تصلح الوضع، مشدداً على ضرورة إحترام سيادة الشعوب. هذا الموقف الفرنسي لم يكن وحيداً، بل تبعه تمرد أوروبي تقني؛ حيث أغلقت إسبانيا مجالها الجوي أمام الطائرات المتورطة في الهجمات، ورفضت إيطاليا منح إذن الهبوط لطائرات الشحن في قاعدة "سيجونيلا"، بينما منعت سويسرا عبور طائرات الإستطلاع، وأعلنت بولندا بوضوح رفضها نقل منظومات "باتريوت" إلى الشرق الأوسط. 

هذا العزل السياسي للولايات المتحدة من قبل حلفائها التقليديين يضع عملية "الغضب الملحمي" في مأزق تاريخي، حيث تبدو واشنطن وحيدة في مواجهة إستنزاف ميداني وتكنولوجي لا ينتهي.
في خضم هذا الصراع، تبرز مأساة المدنيين كوقود للحرب؛ فبينما يتهم وزير الخارجية الإسرائيلي "جدعون ساعر" إيران بإرتكاب جرائم حرب وإستهداف مدنيين في "عراد" و"بيت شيمش"، تشير تقارير "هيومن رايتس ووتش" إلى كوارث مماثلة على الجانب الآخر، مثل قصف مدرسة البنات في "ميناب" الإيرانية الذي راح ضحيته 165 طفلاً ومعلماً علاوة على ما فعله الجيش الإسرائيلي في غزة. 

ومع أستمرار سقوط الضحايا من الجانبين، ورفض الأطراف تحمل المسؤولية، يبقى المشهد مفتوحاً على أحتمالات مرعبة، إن طلب ترامب المفاجئ من إيران إيقاف الحرب لمدة 48 ساعة، يقابله إصرار ميداني إيراني على فرض واقع جديد، يشير إلى أن "الجمعة السوداء" لسلاح الجو الأمريكي قد تكون بالفعل المسمار الأخير في نعش الهيمنة الجوية التقليدية في المنطقة، مما يجبر البيت الأبيض على إعادة حساباته قبل أن يتحول "التراجع التكتيكي" إلى إنسحاب شامل ودائم.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

كوابيس "الجمعة السوداء" على ترامب

بقلم ياسر بركات