بنت جبيل… حين يصبح الصمود هوية وطن

ياسر بركات
ياسر بركات

في جنوب لبنان، حيث تختلط رائحة التراب بذاكرة الدم، تقف بنت جبيل كأنها قصيدة حجرية كتبتها الحروب، وصاغتها إرادة الناس الذين قرروا أن يكونوا أكبر من الجغرافيا وأقسى من النار، ليست بنت جبيل مجرد بلدة على خارطة الجنوب، بل هي عنوان لصمود متجذر، ومسرح دائم لإمتحان الإرادة اللبنانية في مواجهة العواصف، سواء كانت عسكرية أو سياسية.


منذ عقود أحتلت بنت جبيل موقعاً رمزياً في الوجدان اللبناني والعربي، ليس فقط لأن الإحتلال الإسرائيلي أنسحب من جنوب لبنان عام 2000 تحت وقع المقاومة، بل لأن هذه البلدة الصغيرة أثبتت أن الإرادة الشعبية قادرة على قلب موازين القوة، يومها لم يكن المشهد مجرد أنسحاب عسكري، بل لحظة تاريخية دشنت مرحلة جديدة في الصراع، وأعادت تعريف مفهوم الإنتصار في الوعي العربي.


لكن ذروة الحكاية جاءت في حرب يوليو 2006، حين تحولت بنت جبيل إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين مقاتلي حزب الله والجيش الإسرائيلي، كانت المعركة هناك أكثر من مجرد إشتباك عسكري ،كانت معركة رمزية بإمتياز. حاولت إسرائيل أن تدخل البلدة لكنها وجدت نفسها أمام مقاومة شرسة، دفعت ثمناً باهظاً في الأرواح والعتاد، دون أن تتمكن من تحقيق هدفها السياسي أو العسكري. وهو ما حدث 


في تلك الأيام أيضًا، لم تكن بنت جبيل تقاتل وحدها، بل كانت تختصر روح الجنوب بأكمله، وكأن البلدة تقول لكل من يراهن على كسرها: نحن هنا، لا ننكسر.
هذا التاريخ ليس مجرد سرد بطولي، بل هو جزء من معادلة الحاضر. فكل قرار سياسي، وكل موقف يتعلق بوقف إطلاق النار أو بالتصعيد، يمرّ حتماً عبر ميزان التجربة التي صنعتها بنت جبيل وأخواتها في الجنوب.


في هذا السياق، يبرز موقف حزب الله من أي قرار لوقف إطلاق النار بوصفه موقفاً معقداً، لا يمكن قراءته فقط من زاوية عسكرية، بل من منظور سياسي وإستراتيجي أوسع .


من هنا، لا يكون القبول بوقف إطلاق النار قراراً سهلاً أو تلقائياً، بل يخضع لحسابات متعددة: هل يحقق هذا القرار مصلحة لبنان؟ هل يكرّس معادلة ردع حقيقية؟ أم أنه يمنح الخصم فرصة لإعادة ترتيب صفوفه دون مقابل سياسي واضح؟


في كثير من الأحيان، يميل الحزب إلى التعامل مع هذه القرارات ببراغماتية مشروطة، فيقبل بها حين يرى أنها تحفظ التوازن القائم، ويرفضها أو يتحفظ عليها حين يشعر بأنها قد تُفسَّر كتنازل أو تراجع، وهذا ما يفسر التباين في مواقفه عبر المراحل المختلفة، وفقاً لتطورات الميدان وضغوط السياسة الدولية.


لكن المسألة لا تقف عند حدود الحزب وحده. فلبنان، كدولة، يجد نفسه دائماً في قلب معادلة معقدة، حيث تتداخل قرارات الحرب والسلم بين الداخل والخارج، بين الدولة والمقاومة، وبين الضغوط الدولية وحسابات السيادة الوطنية.


وهنا يطرح السؤال الذي يتردد كثيراً في الكواليس السياسية والإعلامية: هل يمكن أن يصل الأمر إلى زيارة رئيس لبناني لإسرائيل؟


من الناحية الواقعية، يبدو هذا الإحتمال بعيداً إلى حد كبير، إن لم يكن مستحيلاً في الظروف الحالية فلبنان، رسمياً وشعبياً، لا يزال في حالة عداء مع إسرائيل، ولا توجد أي علاقات دبلوماسية بين البلدين، كما أن الذاكرة الجماعية، المثقلة بالحروب والإحتلال والإعتداءات، تجعل من فكرة زيارة من هذا النوع أمراً صادماً للرأي العام، ومكلفاً سياسياً إلى درجة كبيرة.


إضافة إلى ذلك، فإن التوازنات الداخلية اللبنانية، التي تقوم على حساسية شديدة تجاه ملف العلاقة مع إسرائيل، تجعل أي خطوة في هذا الإتجاه محفوفة بالمخاطر. فالقضية لا تتعلق فقط بقرار فردي، بل بمنظومة كاملة من التوافقات الوطنية التي يصعب تجاوزها.


حتى على المستوى الإقليمي، ورغم ما شهدته المنطقة من تحولات وإتفاقيات تطبيع بين بعض الدول العربية وإسرائيل، لا يزال الوضع اللبناني مختلفاً، بحكم خصوصية الصراع، ودور المقاومة، وطبيعة التركيبة السياسية والإجتماعية في البلاد. 


لذلك، فإن الحديث عن زيارة رئيس لبناني لإسرائيل يبقى، في أفضل الأحوال، ضمن إطار التكهنات النظرية، التي لا تجد سنداً حقيقياً في الواقع السياسي الراهن.


في المحصلة، تبقى بنت جبيل أكثر من مجرد بلدة، وأكثر من مجرد ذكرى، إنها معيار يقاس عليه الموقف، وبوصلة تحدد إتجاه القرار.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

بنت جبيل… حين يصبح الصمود هوية وطن

بقلم ياسر بركات