عاصم منير جنرال الظل… فى الحرب بين واشنطن وطهران
فى السياسة الدولية، هناك رجال لا تُسلَّط عليهم الأضواء بقدر ما تُسلَّط على آثار أفعالهم، هم لا يظهرون فى الصفوف الأولى، لكنهم يقفون دائمًا خلف الستار، حيث تُصاغ التفاهمات وتُدار الخيوط الدقيقة للأزمات الكبرى ،ومن بين هؤلاء يبرز قائد الجيش الباكستانى، الذى يمثل حالة خاصة فى معادلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع مصالح الولايات المتحدة مع حسابات إيران، وتجد باكستان نفسها فى موقع الوسيط القادر على الحديث مع الطرفين دون أن يفقد توازنه.
لم يكن دور المؤسسة العسكرية فى باكستان يومًا دورًا تقليديًا. فمنذ تأسيس الدولة، ظل الجيش هو الفاعل الأكثر تأثيرًا فى رسم السياسات الكبرى، سواء ظهر ذلك فى صورة حكم مباشر أو نفوذ غير معلن. وفى قلب هذه المؤسسة، يتشكل نمط خاص من القيادة، يقوم على مزيج من الإنضباط العسكرى، والحس الإستخباراتى، والقدرة على قراءة المشهد الدولى ببرود أعصاب.
قائد الجيش الباكستانى ليس مجرد رجل عسكرى يدير قوات مسلحة، بل هو عقل إستراتيجي يتحرك فى فضاء أوسع بكثير من حدود بلاده. حياته الشخصية، التى تبدو للوهلة الأولى شديدة التحفظ، تخفى وراءها شبكة واسعة من العلاقات والإتصالات، تبدأ من العواصم الإقليمية ولا تنتهى عند واشنطن. هذا التحفظ ليس صدفة، بل هو جزء من تكوين مدرسة كاملة ترى أن القوة الحقيقية لا تُعرض، بل تُمارس فى صمت.
فى خلفية المشهد، تبدو العلاقة بين الولايات المتحدة وباكستان علاقة متقلبة، مرت بمراحل من الشراكة الوثيقة ثم الشك المتبادل ،لكن ما لم يتغير هو إدراك واشنطن أن إسلام آباد تملك مفاتيح لا يمكن تجاهلها، سواء فى أفغانستان أو فى ملفات الإرهاب أو فى التوازنات مع الصين. ومن هنا تأتى أهمية قائد الجيش، الذى غالبًا ما يكون هو القناة الأكثر موثوقية للتواصل مع الأمريكان، خاصة فى اللحظات الحرجة.
أما إيران، فهى تمثل معادلة مختلفة تمامًا. العلاقة بين طهران وإسلام آباد ليست علاقة صدام مباشر، لكنها أيضًا ليست تحالفًا واضحًا. هناك حدود مشتركة، ومصالح أمنية، وتوجسات متبادلة. وفى هذه المنطقة الرمادية، يظهر دور الوسيط الباكستانى، الذى يستطيع أن ينقل الرسائل دون أن يتحول إلى طرف فى الصراع.
المثير فى شخصية قائد الجيش الباكستانى هو قدرته على التحدث بلغتين سياسيتين فى آن واحد، فهو أمام الأمريكان يتحدث بلغة المصالح المشتركة، ومحاربة الإرهاب، والإستقرار الإقليمى وأمام الإيرانيين، يتحدث بلغة الجوار، والتوازن، وعدم الإنخراط فى محاور معادية هذه الإزدواجية ليست تناقضًا، بل هى تعبير عن موقع جغرافى وسياسى يفرض على باكستان أن تكون “على الحافة” دون أن تسقط فى أى اتجاه.
فى كواليس الوساطة بين واشنطن وطهران، لا تُكتب البيانات الرسمية، بل تُنقل الرسائل الشفوية، وتُختبر النوايا، وتُقاس ردود الأفعال. وهنا يظهر الدور الحقيقى لقائد الجيش، الذى يعتمد على شبكة من القنوات الإستخباراتية والدبلوماسية غير التقليدية ففى عالم الأزمات، كثيرًا ما تكون الأجهزة الأمنية هى الأقدر على بناء الجسور، لأنها تتحرك بعيدًا عن الضغوط الإعلامية والسياسية.
العلاقة مع الرئيس الأمريكى، أيا كان إسمه أو توجهه، تظل علاقة تقوم على البراغماتية.
فواشنطن تدرك أن الجيش الباكستانى هو المؤسسة الأكثر إستقرارا فى البلاد، وأن التواصل معه يضمن قدرًا من الإستمرارية لا توفره الحكومات المدنية المتغيرة. ومن ناحية أخرى، يدرك قائد الجيش أن الولايات المتحدة تظل لاعبًا رئيسيًا لا يمكن تجاهله، حتى فى ظل صعود قوى أخرى مثل الصين.
لكن هذه العلاقة ليست علاقة تبعية، كما قد يتصور البعض ففى داخل المؤسسة العسكرية الباكستانية، هناك إدراك عميق لتجارب الماضى، حيث دفعت البلاد أثمانًا باهظة لتحالفات غير متوازنة. ومن هنا، يسعى القائد الحالى إلى إعادة صياغة العلاقة مع واشنطن على أسس أكثر توازنًا، دون أن يقطع الخيوط القديمة.
فى حياته الشخصية، يحرص قائد الجيش على إبقاء مسافة بينه وبين الأضواء.
لا تظهر تفاصيل كثيرة عن أسرته أو اهتماماته الخاصة، لكن ما يتسرب من معلومات يشير إلى رجل شديد الإنضباط، يميل إلى العمل الصامت، ويؤمن بأن القيادة ليست فى الظهور، بل فى القدرة على إتخاذ القرار فى اللحظة المناسبة. هذا النمط من الشخصية يتناسب تمامًا مع طبيعة الدور الذى يلعبه.
وفى لحظة إقليمية مضطربة، حيث تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، يصبح وجود وسيط موثوق أمرًا بالغ الأهمية. هنا، تبرز باكستان، ليس فقط كدولة، بل كمؤسسة عسكرية قادرة على التحرك فى المساحات الرمادية. وقائد الجيش، بما يملكه من علاقات وخبرة، يصبح أحد أهم اللاعبين فى هذا المشهد.