خفايا التصعيد في الخليج .. كيف تحركت تسريبات النوادي الخاصة والوثائق الإسرائيلية لقرع طبول الحرب؟

الموجز

حين تجلس لتأمل حركة التاريخ في منطقة الشرق الأوسط، تكتشف أن الأحداث الكبرى لا تقع فجأة، وإنما هي نتاج مقدمات تتراكم فوق بعضها البعض حتى تصل إلى نقطة الإنفجار ،واليوم، ونحن نتابع المشهد المتفجر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، نجد أنفسنا أمام مسرحية سياسية وعسكرية معقدة، تتداخل فيها المصالح النفطية الجافة بالنزوات الشخصية الضيقة، وتلعب فيها أجهزة الإستخبارات الأدوار الأكثر خطورة وراء الستار،

ما نراه اليوم في مياه الخليج العربي ليس مجرد جولة جديدة من صراع قديم، بل هو مشهد يعاد صياغته بأدوات مختلفة، وبدوافع تثير الكثير من التساؤلات،

ودعونا نبدأ من السطح الظاهر للأحداث، وتحديداً من التصريحات الأخيرة والمثيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، لقد خرج ترامب ليعلن بصراحته المعهودة، والتي تمزج بين لغة الوعيد العسكري ومنطق صفقات العقارات، أن القوات الأمريكية قادرة على الدخول وتوجيه ضربات قاسية، بل مضى إلى ما هو أبعد من ذلك عندما لوح برغبته الصريحة في الإستيلاء على جزيرة خارك الإيرانية، وهي الشريان النفطي المغذي للإقتصاد الإيراني وميناؤها الرئيسي لتصدير النفط الخام.

في المنطق الجيوسياسي التقليدي، يعتبر التهديد بالإستيلاء على منشأة نفطية سيادية لدولة أخرى بمثابة إعلان حرب شاملة وتحدٍ صارخ للقانون الدولي ، لكن في عقلية ترامب، تبدو الأمور مختلفة؛ فالرجل يرى في الثروات النفطية أهدافاً مباشرة يجب السيطرة عليها وإدارتها، تماماً كما تحدث سابقاً عن النفط في مناطق أخرى، وكما شبه الأمر بالسيطرة على أسواق النفط والغاز في فنزويلا ، إن السيطرة على جزيرة خارك، من وجهة النظر العسكرية المباشرة التي يطرحها البيت الأبيض، هي محاولة لشل القدرة الإقتصادية للنظام الإيراني بضربة واحدة بدلاً من الدخول في مواجهة برية واسعة النطاق قد لا يتحمل الشارع الأمريكي تبعاتها.

لكن، هل النفط والجغرافيا السياسية هما المحركان الوحيدان لهذه الطبول التي تقرع للحرب؟ للأسف هناك حسابات بعيدة عن الحسابات الإستراتيجية العسكرية، لكنها في عمق السياسة الأمريكية المعاصرة تبدو شديدة الأهمية،

فوراء التصعيد المفاجئ، وثائق مسربة تتعلق بالحياة الشخصية والإستثمارات الخاصة للرئيس الأمريكي، وتحديداً ما جرى تداوله حول تنظيم حفلات خاصة ومثيرة للجدل في أحد نوادي الجولف التي يمتلكها ،من الواضح ، إن الحسابات الشخصية والخوف من الإبتزاز أو الفضائح السياسية قد تتدخل أحياناً في صناعة القرار السياسي والعسكري في واشنطن، حيث يُنظر إلى التصعيد العسكري الخارجي كأداة تقليدية وفعالة لتحويل أنظار الرأي العام الداخلي والوسائل الإعلامية عن الأزمات الشخصية والملفات القضائية المعقدة.

في هذا السياق، لا يمكن لعامل إقليمي بحجم إسرائيل أن يكون غائباً عن هندسة المشهد ،المؤكد هناك دور محوري ومدروس لأجهزة الإستخبارات الإسرائيلية في توجيه دفة الأحداث ،فالجانب الإسرائيلي، الذي يرى في المشروع النووي والنفوذ الإقليمي الإيراني تهديداً وجودياً له، يسعى بكل قوته إلى دفع الولايات المتحدة نحو مواجهة عسكرية مباشرة وحاسمة مع طهران،

تل أبيب ربما كانت هي القناة الأساسية التي ساهمت في تسريب وتوجيه بعض هذه الوثائق والملفات الحساسة لوسائل الإعلام الغربية، مستخدمة إياها كأوراق ضغط إستراتيجية ،الهدف هنا واضح ومحدد وضع الإدارة الأمريكية في زاوية ضيقة لا تملك فيها ترف التراجع أو المناورة، وإجبار صانع القرار في واشنطن على تبني الخيار العسكري الخشن والتخلي عن مسارات التفاوض الدبلوماسي التي طالما أثارت قلق المسؤولين الإسرائيليين،

 

 

 

إننا إذن أمام مشهد تتداخل فيه الخطوط بشكل مذهل،

رئيس أمريكي يتحرك بمنطق القوة والسيطرة الإقتصادية المباشرة، ويواجه في الوقت نفسه ضغوطاً داخلية وملفات شخصية شائكة تتداولها الصحافة،

نظام إيراني يجد نفسه محاصراً بين كماشة الضربات الجوية والحصار البحري، ويبحث عن هوامش للرد وحفظ التوازن عبر حلفائه وقدراته الصاروخية،

طرف إقليمي ثالث إسرائيل يتحرك بذكاء وإحترافية في كواليس الإستخبارات والإعلام الدولي ليضمن عدم إطفاء النيران قبل تحقيق أهدافه الاستراتيجية.

في النهاية، يظل الشرق الأوسط ساحة مفتوحة على كل الإحتمالات، وحرب طبولها تقرع بهذه الطريقة لا يمكن التنبؤ بنهايتها ،إن السيطرة على مياه الخليج أو محاولة خنق إيران عبر جزيرة خارك لن تكون نزهة عسكرية سهلة، بل هي مغامرة كبرى قد تنزلق بالمنطقة بأسرها إلى أتون مواجهة شاملة، يتداخل فيها الشخصي بالعام، والنفطي بالإستخباراتي، في واحدة من أعقد الأزمات السياسية في القرن الحادي والعشرين.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

خفايا التصعيد في الخليج .. كيف تحركت تسريبات النوادي الخاصة والوثائق الإسرائيلية لقرع طبول الحرب؟

بقلم ياسر بركات