حرب على التاريخ... عن نسف المساجد وجغرافيا الدمار من غزة إلى الجنوب

الموجز

إن القراءة الفاحصة لما يجري ميدانياً في غزة، والضفة الغربية، وجنوب لبنان، والعُمق السوري، تشير بوضوح إلى أن القوة الغاشمة عندما تفقد كوابحها الأخلاقية وتنعزل عن سياق التاريخ، فإنها تلجأ إلى خيار واحد نسف الشواهد ومحو المعالم.

في قطاع غزة، لم تعد الحرب موجهة ضد أهداف عسكرية بحتة كما تزعم أدبيات المتحدثين بأسم جيش الإحتلال ، بل تحولت إلى حرب على الشجر والحجر والذاكرة، وما حادثة تدمير مسجد المتقين بالكامل، ومعه العشرات بل المئات من المساجد والكنائس والمباني الأثرية، إلا نموذجاً صارخاً وثّقته الصور الفضائية وتقارير منظمة اليونسكو.

إن نسف مساجد غزة، التي شكّلت لقرون مراكز للإشعاع الروحي والإجتماعي، ليس مجرد أضرار جانبية للقتال، بل هو إستراتيجية منسقة تُعرف في الأدبيات السياسية بـ الإبادة الثقافية وواضح الهدف هنا جليّ تحويل الأرض إلى مساحة جرداء بلا ملامح، وتجريد الإنسان الفلسطيني من رموزه المادية التي تربطه بتاريخ أجداده، لكي يستحيل عليه مستقبلاً العودة إلى بيئة أُعيدت إلى العصر الحجري.

وإذا إنتقلنا بالتحليل من غزة المكلومة إلى الضفة الغربية، نجد أن المشهد لا يقل خطورة، وإن إتخذ طابعاً تتداخل فيه التشريعات الفوقية بقوة الجرافة ، الإستيلاء على الأراضي وهدم المنازل الفلسطينية قد وصلا إلى مستويات قياسية غير مسبوقة،

ما يجري في الضفة ليس مجرد بناء بيوت للمستوطنين، بل هو عملية مصادرة منهجية لجغرافيا الدولة الفلسطينية ،حيث يتم تقطيع أوصال المدن، وفرض واقع جيو-سياسي جديد يجعل من الفكرة التأسيسية لحل الدولتين مجرد وهم مُعلق في الهواء ،الجرافة في الضفة الغربية تعمل بذات العقيدة التي تعمل بها المقاتلة في سماء غزة ،إزاحة صاحب الأرض الأصلي، وإحلال الكيان الإستيطاني مكانه بقوة الأمر الواقع.

لم تقف هذه العقيدة الإستعراضية عند حدود فلسطين التاريخية، بل إمتدت لتشمل الجوار العربي بنهج مستفز ، في جنوب لبنان، لم يتورع القادة العسكريون والسياسيون في إسرائيل عن التباهي علناً بتدمير أزيد من 24 قرية جنوبية بالكامل، ومسحها عن وجه الأرض عبر حزام ناري وجرف شامل.

أن الذهنية المجرمة الحاكمة في تل أبيب باتت ترى في القوة المطلقة وسيلة لإعادة التلغيم السكانى والجغرافي للمنطقة، يرافق ذلك عدوان متواصل وإستباحة يومية للأراضي والسيادة السورية، في محاولة لكشف الإقليم برمته وجعله ساحة مفتوحة للنفوذ والسيطرة الإسرائيلية دون رادع.

في قلب هذا المشهد المتفجر، يقف بنيامين نتنياهو ليقدم للعالم النموذج الأكثرفجاجة للتحدي والتمرد على القانون الدولي ، لم يكتفِ رئيس الوزراء الإسرائيلي مجرم الحرب بمواجهة الإتهامات الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، بل خرج بعنجهية غير مسبوقة ليُهدد أي دولة تجرؤ على تنفيّذ مذكرات التوقيف بحقه، واصفاً النظام الدولي بأنه نظام فاسد ومتحيز.

إن الخطاب السياسي لنتنياهو يرتكز على مقولة مفادها، لا أحد يستطيع أن يقول 'لا' لإسرائيل. وهي مقولة لا تعكس القوة بقدر ما تعكس أزمة إستراتيجية عميقة تسعى لفرض الإرادة بالترهيب وإستغلال الفراغ الدولي.

هذه الحالة من الفوضى السياسية، تجعل من إسرائيل دولة تتصرف خارج أطر الشرعية الدولية، مستندة إلى شبكة من الدعم السياسي والعسكري الغربي الذي بات يشعر بالحرج المتزايد أمام التحولات الجسيمة في مواقف مجتمعاته الشابة.

القراءة الإستراتيجية العميقة لحركة التاريخ تؤكد لنا حقيقة واحدة لا تقبل الشك ، يمكن للجرافات أن تهدم مسجداً كـ مسجد المتقين، ويمكن للمقاتلات أن تمسح قرية في جنوب لبنان أو تلغي بيتاً في الخليل، لكن القوة الغاشمة عاجزة تماماً عن إزالة شعب من الوجود أو محو جذوره من وجدان المنطقة.

لقد مرت على هذه الأرض إمبراطوريات وعتاة ظنوا في لحظة غرور أنهم ملكوا جغرافيا الشرق إلى الأبد، ورحلوا جميعاً وبقيت الأرض وبقي أهلها ، إن ما تشهده المنطقة اليوم هو صراع بين منطق القوة العابرة وحق الجغرافيا والثقافة والتاريخ الباقي؛ ومهما بلغ حجم الدمار، فإن الذاكرة العربية عصية على المحو، والتاريخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

حرب على التاريخ... عن نسف المساجد وجغرافيا الدمار من غزة إلى الجنوب

بقلم ياسر بركات