على حافة الهاوية… مفاوضات واشنطن وطهران بين منطق الصفقات وشبح الحرب

ياسر بركات
ياسر بركات

في لحظة تبدو فيها السياسة الدولية أقرب إلى لعبة حافة الهاوية، تعود المفاوضات الأمريكية–الإيرانية إلى الواجهة، ولكن ليس بوصفها مسارًا دبلوماسيًا تقليديًا، بل بإعتبارها إمتدادًا مباشرًا لصراع مفتوح لم يُحسم بعد. فالمشهد  ليس مفاوضات في قاعات مغلقة بقدر ما هو توازن دقيق بين التهديد والصفقة، بين لغة القنابل ولغة الإتفاقات.
منذ إندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة مطلع عام 2026، بعد إنهيار جولات التفاوض السابقة، دخل الطرفان في مرحلة يمكن وصفها بـ"الدبلوماسية تحت النار". فواشنطن، التي فرضت حصارًا بحريًا على طهران في مضيق هرمز، تحاول إستخدام الضغط العسكري والإقتصادي كأداة تفاوضية، بينما تسعى طهران إلى تحويل أوراق القوة الميدانية—وفي مقدمتها المضيق والبرنامج النووي—إلى عناصر مساومة سياسية. 
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل ستُعقد جولة جديدة من المفاوضات أم أننا أمام إنهيار وشيك؟
فبينما تؤكد واشنطن إستعدادها للمشاركة، لا تزال طهران تلوّح بالمقاطعة، إحتجاجًا على ما تعتبره "خروقات أمريكية للهدنة"، خاصة بعد قيام البحرية الأمريكية بإحتجاز سفينة إيرانية في مضيق هرمز
وفي هذا السياق، يبدو أن المفاوضات لم تعد مسألة دبلوماسية بحتة، بل أصبحت رهينة التطورات الميدانية. فكل تحرك عسكري—حتى لو كان تكتيكيًا—قد ينسف الطاولة قبل أن يجلس عليها الطرفان.
تصريحات نارية… ورسائل مزدوجة
لغة التصريحات بين الطرفين تعكس هذه الحالة من التوتر المركب.
فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث بثقة عن "صفقة أفضل من اتفاق 2015"، لكنه في الوقت نفسه لا يتردد في التهديد بإستخدام القوة إذا فشلت المفاوضات. 
في المقابل، ترد طهران برسائل لا تقل حدة، معلنة إستعدادها لـ"كشف أوراق جديدة في ساحة المعركة" إذا لم يتم التوصل إلى إتفاق، وهو تعبير يحمل في طياته تهديدًا بتصعيد عسكري أو نووي. 
وهكذا، نحن أمام خطاب مزدوج من الطرفين:
خطاب تفاوضي يدعو إلى الحلول
وخطاب تصعيدي يلوّح بالحرب ،
وهذا التناقض ليس عارضًا، بل هو جزء من إستراتيجية تفاوضية كلاسيكية تُعرف في الأدبيات الغربية بـ"التفاوض تحت الضغط".
من ثم لم يعد الحديث يدور عن صفقة شاملة، بل عن مذكرة تفاهم مؤقتة تمنع الإنفجار العسكري وتؤجل الملفات الكبرى. 
هناك طرح أمريكي بالإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة مقابل تقليص أو تسليم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.
لأن كلا الطرفين يدرك أن إستمرار الحرب سيؤدي إلى كلفة إقتصادية وسياسية باهظة، خاصة مع تأثيرات إضطراب مضيق هرمز على الإقتصاد العالمي.
جوهر الأزمة أن 
هذه المساحات المحدودة من الإتفاق تصطدم بخلافات جوهرية عميقة:
مدة القيود النووية: واشنطن تريد التزامًا طويل الأمد قد يصل إلى 20 عامًا، بينما تقبل طهران بفترة قصيرة لا تتجاوز بضع سنوات. 
حق التخصيب: إيران تعتبره "خطًا أحمر سياديًا"، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى تقليصه أو إنهائه. 
الملفات غير النووية: واشنطن تربط الإتفاق بالصواريخ الباليستية ودور إيران الإقليمي، بينما تصر طهران على حصر التفاوض في الملف النووي فقط. 
هذه الخلافات تجعل أي اتفاق شامل أقرب إلى الطموح منه إلى الواقع، وهو ما يفسر الإتجاه نحو "الحلول المؤقتة".
ما يميز هذه الجولة من المفاوضات عن سابقاتها هو التداخل غير المسبوق بين العمل العسكري والدبلوماسية.
فالحصار البحري، وإحتجاز السفن، وإغلاق مضيق هرمز، كلها أدوات ضغط تُستخدم في الوقت الحقيقي أثناء التفاوض. 
لكن هذه الأدوات تحمل مخاطرة مزدوجة:
قد تدفع الطرف الآخر إلى تقديم تنازلات
أو قد تؤدي إلى إنهيار كامل للمفاوضات
وهنا تكمن المفارقة: كلما زاد الضغط، زادت فرص الإتفاق وزادت في الوقت نفسه إحتمالات الحرب.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

على حافة الهاوية… مفاوضات واشنطن وطهران بين منطق الصفقات وشبح الحرب

بقلم ياسر بركات