حزب الله في مهب الريح..."الجغرافيا المشتعله " وسيناريوهات اليوم التالى فى لبنان

ياسر بركات
ياسر بركات

الجنوب اللبناني، تلك الرقعة التي كانت دوماً مختبراً لتقاطع النيران، لم يعد مجرد ساحة لإشتباك حدودي، بل تحول إلى "صاعق تفجير" لمشروع إقليمي جديد يُراد فرضه بالحديد والنار.
إن ما يحدث في الجنوب اللبناني اليوم ليس "حادثاً عارضاً" في سياق الصراع، بل هو "فعل إستراتيجي" تتقاطع فيه إرادة القوة الإسرائيلية مع إرتباك النظام الدولي، وسط صمود أسطوري وتساؤلات وجودية حول مصير "المقاومة" ودور "الدولة".


ما يشهده الجنوب اللبناني يتجاوز مفهوم "الردع" إلى "التدمير البنيوي". إسرائيل تتبنى إستراتيجية "المناطق العازلة" عبر تفريغ القرى الحدودية وتحويلها إلى أراضٍ غير قابلة للحياة.


لم تعد الغارات الإسرائيلية تكتفي بإستهداف "أهداف عسكرية" كما تزعم البيانات الرسمية لجيش الإحتلال، بل إنتقلت إلى ضرب "شرايين الحياة"؛ من جسور الليطاني إلى مراكز الدفاع المدني.

 نحن أمام محاولة إسرائيلية لفرض "واقع جغرافي جديد" يعزل الجنوب عن العمق اللبناني، وهو ما يوصف بأنه "عقاب جماعي" يهدف لكسر الحاضنة الشعبية للمقاومة.


في المقابل، تقف "المقاومة" وهنا أقصد حزب الله بكافة تشكيلاته أمام إختبار هو الأصعب في تاريخها. التقارير  تشير إلى أن الحزب، برغم الضربات النوعية التي طالت قياداته، لا يزال يحتفظ بـ "هيكل صلب" وقدرة على "إدارة النيران" تمنع إسرائيل من تحقيق إنتصار حاسم.


لكن الموقف، كما أراه، يواجه معضلة كبرى؛ فالمقاومة لم تعد تحارب إسرائيل وحدها، بل تواجه "تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين" مدعومة بضوء أخضر أمريكي يبدو غير مسبوق ، إن إستمرار الإنتهاكات وضع الحزب أمام خيارين أحلاهما مر:إما الإنجرار إلى حرب شاملة قد تأتي على ما تبقى من لبنان.


أو  القبول بصيغة "نزع السلاح"  وهو ما يعني إنتحاراً إستراتيجياً للحزب وفقدان دوره كـ "قوة ردع".


أما الحكومة اللبنانية، فهي تعيش حالة من "الإنفصام السياسي"، فبينما يطالب الرئيس اللبناني بحماية السيادة وتطبيق القرار 1701، نجد أن الدولة اللبنانية عاجزة عن فرض إرادتها على الأرض.


فالرؤية الحكومية، كما تُسوق في كواليس واشنطن وباريس، تبحث عن "مخرج دبلوماسي" يضمن إنسحاب إسرائيل مقابل "تقليص" نفوذ حزب الله العسكري. لكن المعضلة تكمن في "الثقة"؛ فإسرائيل لا تثق في قدرة الجيش اللبناني على ضبط الحدود، والحزب لا يثق في ضمانات المجتمع الدولي الذي وقف متفرجاً أمام تدمير الجنوب.
إن السؤال الكبير الذي يجب أن نسأله هو: ما هو مصير حزب الله؟
هنا يجب أن نكون صريحين؛ إن حزب الله في نسخته التي عرفناها منذ 1982 يواجه عملية "تحول إجباري"، الضغوط الدولية، وبالأخص من إدارة "ترامب" (في ولايته الجديدة )، تهدف إلى تحويل الحزب إلى "حزب سياسي" مجرد من السلاح، أو دفعه نحو "صدام داخلي" مع الجيش اللبناني.


إن مستقبل العلاقات اللبنانية الإسرائيلية، قاتم ،نحن نتحدث عن "مفاوضات تحت النار" بوساطة أمريكية (ماركو روبيو)، تهدف لترسيم حدود برية تضمن لإسرائيل "عمقاً أمنياً" داخل الأراضي اللبنانية، هذا لا يعني "سلاماً"، بل يعني "هدنة مسلحة" هشة، تظل فيها السيادة اللبنانية منقوصة والجنوب اللبناني "رهينة" للتفاهمات الكبرى بين واشنطن وطهران.


إن الجنوب اللبناني هو "الترمومتر" الذي يقيس درجة حرارة الشرق الأوسط.  وإستمرار الإنتهاكات ليس إلا مقدمة لإعادة صياغة "سايكس بيكو" جديدة، حيث الحدود تُرسم بالمسيرات، والسيادة تُنحر على مذبح المصالح الدولية.


لبنان اليوم يقف على "حافة الهاوية"، والمقاومة أمام إستحقاق "المراجعة الكبرى"، وإسرائيل تراهن على "تعب الخصم" لكن الجغرافيا،  لها منطقها الخاص؛ فالأرض التي نبتت فيها المقاومة لا يمكن "تجريفها" بقرار من واشنطن أو غارة من تل أبيب.


إننا أمام "صراع إرادات" سيطول، والمنتصر فيه ليس من يملك السلاح الأقوى، بل من يملك "النفس الأطول" والقدرة على البقاء فوق ركام التاريخ.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

حزب الله في مهب الريح..."الجغرافيا المشتعله " وسيناريوهات اليوم التالى فى لبنان

بقلم ياسر بركات