الإنفجار المؤجل في الخليج .. صراع الإرادات بين خنق ترامب وعناد طهران

الموجز

لسنا هنا أمام مجرد تبادل لإطلاق النار، أو قصف صاروخي متبادل جرى في عتمة الليل بين الطائرات الأمريكية المتطورة ومنظومات الدفاع الجوي الإيراني فوق مياه الخليج وتحديداً بالقرب من مضيق هرمز ، إننا هنا، ووفق قراءة متأنية لخرائط الصراع الحالية، لسنا أمام مناوشات عسكرية عابرة، بل نحن أمام دراما إستراتيجية كبرى تُكتب فصولها بدم النار والبارود، وتدور أحداثها على مسرح الشرق الأوسط المجهد، حيث تتشابك خيوط الجغرافيا والتاريخ والسياسة، وتصطدم كبرياء القوة العظمى بصلابة العناد الأيديولوجي.

اليوم، ونحن نتابع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، نجد أنفسنا أمام لغة لا تعترف بالدبلوماسية التقليدية؛ لغة تخرج مباشرة من منطق رجل الأعمال الذي يرى السياسة صفقة، ويرى التأخير خسارة لا تُغتفر ، عندما يخرج ترامب ليقول إن إيران تأخرت كثيراً وستدفع الثمن ، ويهدد علناً بقصف محطات الطاقة الإيرانية وجسورها، وتدمير ما تبقى من بنيتها التحتية، فإنه يعلن رسمياً الإنتقال من إستراتيجية الضغط الأقصى إلى مرحلة الخنق الكامل،

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يدرك صانع القرار في واشنطن طبيعة الخصم الذي يواجهه؟ وهل تدرك طهران أن سقف المناورة الإستراتيجية قد إنهار فوق رؤوس الجميع؟

إن الموقف الراهن يتلخص في حقيقتين خطيرتين

أولاً: منطق الجدار الفولاذي الأمريكي يرى ترامب أن الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة على الموانئ الإيرانية هو أنجح حصار في تاريخ الحروب البحرية، وأنه بمثابة جدار فولاذي يخنق الإقتصاد الإيراني ، من وجهة النظر هذه، فإن طهران التي تعاني من عدم القدرة على دفع رواتب قواتها وتواجه خطر التحول إلى دولة فاشلة، أضاعت فرصة ذهبية للتوصل إلى إتفاق شرفي عرضته واشنطن عبر الوسيط الباكستاني في محادثات إسلام آباد ،بالنسبة لترامب، فإن مماطلة طهران لم تكن دليلاً على القوة، بل كانت سوء تقدير تاريخي جعل الوقت ينفد، ولم يعد أمامه سوى التهديد بـ بتر شريان الحياة الإيراني المتمثل في منشآت الطاقة والنفط.

ثانياً: معادلة الردع الإيرانية المقابلة على الجانب الآخر، طهران، رغم الضغوط الهائلة، لا تزال تتحرك مدفوعة بعقيدة الصبر الإستراتيجي المقترن بالردع الخشن ، الرد الإيراني الأخير بقصف قاعدة علي السالم في الكويت ومقر الأسطول الخامس في البحرين، والقواعد الأمريكية فى الأردن رداً على قصف راداراتها، يعكس رغبة إيرانية في إبلاغ واشنطن بأن أي مساس بمحطات طاقتها سيعني فوراً إشعال آبار النفط وممرات الملاحة في المنطقة بأكملها. طهران ترى أن أي اتفاق لا يتضمن رفع الحصار البحري ووقف التوحش الإسرائيلي في لبنان هو نوع من الإستسلام غير المشروط، وهو ما يرفضه كبرياؤها التاريخي.

الشرق الأوسط يعيش الآن حالة من الفوضى المنظمة التي تكاد تخرج عن السيطرة،

فالصراع الأمريكي الإيراني لم يعد قابلاً للإحتواء في ملف واحد، طهران تصر على ربط وقف إطلاق النار بتهدئة الجبهة اللبنانية، معتبرة أن حزب الله يمثل خط الدفاع الأول عن أمنها القومي ، في المقابل، تضغط واشنطن لتفكيك هذه الروابط وعزل إيران جغرافياً وسيداسياً ، هذا التشابك يجعل أي هدنة مؤقتةمثل تلك التي تمت برعاية باكستان مجرد إستراحة محارب قصيرة لإلتقاط الأنفاس، سرعان ما تنسفها رغبة إسرائيل في إستمرار العمليات العسكرية أو رغبة الفصائل في إثبات الوجود،

إن تهديد ترامب بضرب محطات الطاقة، يقابله تهديد إيراني ضمني بإغلاق مضيق هرمز نهائيا ،هذا الإحتمال يضع الإقتصاد العالمي، الذي يعاني أساساً من التضخم، على حافة كارثة حقيقية ، إن قفزات أسعار النفط المتوقعة ليست مجرد أرقام على الشاشات، بل هي نذر ثورات إجتماعية وإضطرابات سياسية قد تمتد إلى قلب العواصم الغربية، وهو ما يفسر القلق الأوروبي الصامت من إندفاعة ترامب الراهنة.

الإفراط في خنق إيران قد يؤدي إلى سيناريو مرعب سقوط الدولة الإيرانية في آتون حرب أهلية أو نزاعات عرقية وطبقية في الجنوب الغني بالنفط والغاز ، هذا السيناريو، رغم أنه قد يرضي صقور واشنطن وتل أبيب، إلا أنه يمثل كابوساً أمنياً مرعباً للدول الخليجية المجاورة؛ إذ إن غياب سلطة مركزية في طهران يعني تدفق ملايين اللاجئين، وإنتشار الميليشيات غير المنضبطة، وتحول الخليج إلى ساحة صراع مفتوحة لا قانون يحكمها.

إننا أمام معادلة صفرية بإمتياز رئيس أمريكي عائد إلى البيت الأبيض بزخم هائل، يريد حسم ملفات التاريخ بضربة واحدة وصيغة صفقة القرن التي تضمن الإذعان الكامل، ونظام في طهران يرى في التراجع أمام التهديد إنتحاراً سياسياً وعقائدياً،

الخيارات الدبلوماسية بدأت تضيق حتى كادت تتلاشى ، لم يعد الأمر يتعلق بنصوص إتفاق نووي أو تفاصيل تقنية حول تخصيب اليورانيوم، بل أصبح الصراع صراع وجود وإرادات ونفوذ فوق رقعة ممتدة من شواطئ البحر الأبيض المتوسط وحتى جبال زاگروس.

 

إن التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى غالباً ما تشتعل بشرارة صغيرة لم يحسب لها أحد حساباً، وفي أجواء مشحونة مثل التي نعيشها اليوم، حيث يتطاير الشرر فوق محطات الطاقة وممرات النفط، يصبح السلام أمنية بعيدة، وتصبح حافة الهاوية هي المكان الوحيد الذي يقف عليه الجميع الآن، بإنتظار لمعة الضوء... أو دوي الإنفجار الأخير.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

الإنفجار المؤجل في الخليج .. صراع الإرادات بين خنق ترامب وعناد طهران

بقلم ياسر بركات