زمن الوجوه العابرة...غزة من معركة القيادات إلى حرب الوجود
تتبدى لي المشاهد القادمة من قطاع غزة وكأنها فصول في ملحمة إغريقية تتداخل فيها تراجيديا الدم الإنساني مع عناد الجغرافيا السياسية، حيث لا يتوقف التاريخ عن جريانه الساخن والملتهب ، نحن هنا لا ننظر إلى مجرد بقعة أرض ضيقة تقع على حافة البحر الأبيض المتوسط، وإنما نحن بصدد بؤرة زلزال ممتد، يعاد تشكيل توازنات الشرق الأوسط على وقع أنقاضه.
وعندما نتأمل ما جرى في الساعات الأخيرة، وتحديداً الغارة التي إستهدفت حي الرمال بمدينة غزة، فإننا لسنا أمام حدث عسكري عابر، بل نحن أمام نقطة تحول كبرى تستدعي القراءة العميقة، والتحليل الهادئ وسط ضجيج المدافع وهدير الطائرات.
الغارة الإسرائيلية التي إستهدفت الشقة السكنية لـ محمد عودة ، الرجل الذي يوصف بأنه رجل الظل والعقل الإستخباري الأبرز، والذي تولى قيادة كتائب عز الدين القسام بعد رحيل سلفه عز الدين الحداد بـ 11 يوماً فقط ، لكن التراجيديا لم تقف عند حدود تصفية القيادة العسكرية، بل إمتدت لتشمل زوجته وأولاده، في مشهد يجسد طبيعة العقيدة القتالية الإسرائيلية الراهنة، وهي عقيدة تقوم على فكرة العقاب الشامل وتجاوز الخطوط الحمراء كافة، حتى تلك التي رسمتها القوانين الدولية في أوقات الحروب.
لم تعد المسألة مجرد إنتصار تكتيكي تتباهى به حكومة النتن ووزير دفاعه أمام ناخبيهم، بل تحولت إلى معضلة سياسية وأخلاقية شديدة التعقيد ،
هذه العملية تمثل خرقاً حاداً ومباشراً للمرحلة الثانية من خطة السلام المقترحة من قبل الإدارة الأمريكية، والتي كانت تقضي بوقف دائم لإطلاق النار، والإنسحاب العسكري، والتمهيد لترتيبات سياسية إنتقالية ، إن التفاوض تحت النار وإستهداف القيادات في قلب المناطق المدنية يجهض أي فرصة لتبادل الأسرى أو لإرساء تهدئة مستدامة.
الحكومة الإسرائيلية المجرمه تبدو وكأنها تطارد الناجي الأخير من القيادات العسكرية التي إرتبطت بعملية السابع من أكتوبر ، إن هذا الإصرار على التصفية الجسدية، حتى لو تطلب الأمر إبادة عائلات بأكملها، يعكس رغبة تل أبيب في الخروج بصورة النصر الحاسم الكامل، بغض النظر عن الكلفة السياسية أو ردود الفعل الدولية.
تصفية عودة مع زوجته وأطفاله تسلط الضوء مجدداً على جرائم الحرب الشاملة والإنتهاكات المستمرة التي يتعرض لها المدنيون في القطاع، حيث لم تعد الشقق السكنية أو المستشفيات توفر أي نوع من الحماية، وهو ما يضع الغرب الداعم لإسرائيل في موقف أخلاقي محرج أمام الرأي العام العالمي.
وإذا كان البعض يعتقد أن تصفية القيادات الكبرى، أو ما يسمونه في العلوم العسكرية إستراتيجية قطع الرأس، كفيلة بإنهاء حركات المقاومة أو دفعها إلى الإستسلام التام ، فعلينا أن ننظر إلى مسيرة كتائب القسام عبر العقود الثلاثة الماضية، لنكتشف أن هذه النظرية تحتوي على خلل إستراتيجي فادح إن حركات المقاومة التي تنبت من رحم المعاناة الشعبية ومن واقع الإحتلال لا تُدار كالمؤسسات الكلاسيكية أو الجيوش النظامية التي تنهار بإنهيار قيادتها العامة؛ إنها تُدار بفكرة الهيكل الشبكي المتجدد حين يغيب قائد، يتقدم من الصفوف قائد آخر، محمل بخبرة تراكمية أشد ضراوة ،
تخبرنا سيرة محمد عودة نفسه بأنه رفض القيادة مراراً بعد إغـ ـتيال محمد السنوار في مايو 2025، مفضلاً البقاء في هندسة الجهد الإستخباري وإعادة هيكلة الوحدات المقاتلة ، وحين قبل بالمهمة عقب إغتـ ـيال الحداد، كان يعلم تماماً أنه يتقدم نحو حتفه، لكنه كان يعكس حقيقة أن الخزان القيادي لهذه الحركات لا ينضب بسهولة ،من هنا، فإن إغتيال عودة لن يؤدي إلى إنهيار منظومة حماس العسكرية، بل قد يدفعها إلى حالة من الراديكالية العملياتية، حيث تصبح العمليات القادمة أكثر إنتحارية وأقل خضوعاً للحسابات السياسية التقليدية، رداً على إبادة عائلات القادة.
إسرائيل، بقيادتها الحالية، تجد نفسها أسيرة لمعادلة صفرية لا هي قادرة على تحقيق الإستقرار والأمن عبر القوة العسكرية المفرطة، ولا هي قادرة على النزول من فوق شجرة الأهداف العالية التي نصبتها لنفسها. وفي المقابل، فإن إستمرار الإنتهاكات، والقصف المدفعي الذي يطال شرق جباليا وخان يونس وحي الرمال، لا يفعل شيئاً سوى تعميق الكراهية، وتأجيل أي فرصة لتسوية إقليمية شاملة.
إن قطاع غزة تحول إلى ثقب أسود يستنزف الأخلاق الدولية والنظام العالمي المترهل ، إن مشهد تشييع جثمان محمد عودة وعائلته من مجمع الشفاء الطبي ليس مجرد جنازة لمقاتل سقط في معركة، بل هو بيان سياسي مكتوب بالدم، يعلن للعالم أجمع أن السلاح وحده لا يمكنه صياغة المستقبل، وأن تصفية القادة قد تمنح الحكومات نصراً تلفزيونياً مؤقتاً، لكنها تثبت في الأرض بذور صراع ممتد، لن يجد أحد فيه مخرجاً ما لم تُحل العقدة التاريخية الأساسية حرية الإنسان على أرضه.