إسرائيل في مرآة ترامب .. شريك أم مجرد مشروع؟
إن قضية الأمن في الشرق الأوسط ليست مجرد معادلة عسكرية تُحسب بعدد الطائرات والدبابات، بل هي في عمقها نتاج موازين قوى دولية، وصراع إرادات فوق مسرح تتقاطع فيه خطوط النفط والجغرافيا والتاريخ ، وحين يخرج رئيس الولايات المتحدة ليقول علنًا من دوني لن تكون هناك إسرائيل ، فإنه لا ينطق بعبارة عابرة في حملة إنتخابية، بل يرفع الستار عن حقيقة لطالما حاول صقور السياسة في واشنطن وتل أبيب حجبها وراء برقع القيم المشتركة والديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.
إننا أمام لحظة كاشفة من لحظات التاريخ ، لم يكن المشهد مجرد مؤتمر صحفي عادي لـ دونالد ترامب، بل كان تجسيدًا لعقلية الإمبراطورية في أقصى تجلياتها البراجماتية الفجة،
الرئيس الأمريكي وقف أمام عدسات المصورين ليعلن بغضب لم يستطع إخفاءه، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يجب أن يكون أكثر مسؤولية تجاه ما يحدث في لبنان، مستطردًا بعبارته الصادمة بدوننا، بدون الولايات المتحدة وبدوني أنا، لم تكن إسرائيل لتوجد اليوم ، لم يكن أي رئيس آخر مستعدًا لفعل ما فعلته،
هنا، نحن لسنا أمام خلاف تكتيكي بين حليفين، بل نحن أمام عملية تعرية سياسية كاملة ، ترامب، القادم من عالم العقارات والصفقات، يعيد صياغة العلاقات الدولية بلغة المالك الذي يذكّر المستأجر بفضل وجوده ، تصريحات ترامب تعكس ضيق ذرع القيادة الأمريكية الحالية بـ التمرد الذاتي الذي تمارسه تل أبيب، والذي يهدد إستراتيجية واشنطن الكبرى لإعادة ترتيب المنطقة، وتحديدًا ما يُعرف بـ الصفقة الكبرى أو الهدنة الموعودة مع إيران.
هذا الغضب ليس نابعًا من صحوة ضمير إنساني مفاجئة تجاه الضحايا في بيروت أو غزة؛ فترامب نفسه هو من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وهو من شرعن المستوطنات ، لكن الفكرة هنا تكمن في التوقيت والسيطرة ،واشنطن كانت قاب قوسين أو أدنى من صياغة تفاهمات شاملة تضمن إعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية مقابل ترتيبات أمنية معينة، وجاءت الضربات الإسرائيلية العنيفة على ضاحية بيروت الجنوبية لتخلط الأوراق وتكاد تطيح بالإتفاق في ساعاته الأخيرة.
لكن الإمبراطورية الأمريكية لا تقبل أن يقود الذيل الكلب ، وحين يرى ساكن البيت الأبيض أن الإستراتيجية الأمريكية العليا تتعرض للتهديد بسبب الحسابات السياسية والشخصية الضيقة للنخبة الحاكمة في تل أبيب، فإنه يتدخل بقسوة، ويهز العصا الغليظة ليذكر الجميع بحجمهم الحقيقي في ميزان القوى الدولي.
والأخطر في المشهد، ، هو ما يتردد داخل أروقة البيت الأبيض والبنتاجون حول نية ترامب إجراء تطهير واسع وإقالة عدد من المسؤولين العسكريين والأمنيين والدبلوماسيين الذين عارضوا مساره في إحتواء الحرب أو أبدوا ممانعة لتوجهاته الدبلوماسية الجديدة في المنطقة.
ترامب في ولايته الجديدة لا يريد مستشارين يناقشونه في الجدوى الإستراتيجية، بل يريد تنفيذيين يلتزمون بالأوامر ، هؤلاء المسؤولون، الذين يمثلون ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ الدولة العميقة يرون أن إندفاع ترامب لعقد صفقات سريعة مع إيران والضغط الزائد على إسرائيل قد يؤدي إلى إضعاف الردع الأمريكي على المدى الطويل.
لكن منطق ترامب يبدو مختلفًا تمامًا؛ فهو يرى أن هؤلاء المسؤولين هم إمتداد لعقلية الحروب الأبدية التي إستنزفت الخزانة الأمريكية ولم تعد بالنفع على المواطن الأمريكي ، وتشمل قائمة الإقالات المحتملة قيادات في القيادة المركزية الأمريكية ومستشارين في مجلس الأمن القومي أبدوا تحفظات على خطته الرامية لدفع إسرائيل نحو إنسحاب كامل من جنوب لبنان وترتيبات أمنية تسلم فيها ملف حزب الله إلى قوى إقليمية أخرى مثل سوريا لإدارة الصراع برؤية مختلفة.
الصحافة الإسرائيلية تحدثت بذهول عما وصفته بـ الصفعة المدوية على الوجه ، النخبة الإسرائيلية، التي إعتادت على مدار عقود أن تنظر إلى الدعم الأمريكي كشيك على بياض وفريضة دينية وسياسية لا تقبل الجدل، وجدت نفسها فجأة أمام رئيس أمريكي يقول لهم: أنتم لستم حلفاء على قدم المساواة، أنتم مشروع نحن من أسسناه ونحن من نحميه، وإذا تطلب الأمر، نحن من يضع القيود والشروط.
إن هذه التصريحات تضرب في الصميم عقيدة الإعتماد الذاتي الموهومة التي حاولت الصهيونية ترويجها ، وحين يقول ترامب إن إسرائيل كانت ستفجر وتختفي لولا تدخله، فإنه يعيد التذكير بالمعادلة الجيوسياسية العارية إسرائيل بدون الجسر الجوي الأمريكي، وبدون الفيتو في مجلس الأمن، وبدون الغطاء المالي والإستخباري، هي كيان مكشوف في محيط يكرها .
إننا أمام مشهد يعاد ترتيبه على الساخن ،الولايات المتحدة تبحث عن مخرج من أزمات الشرق الأوسط لكي تتفرغ للصراع الأكبر في بحر الصين الجنوبي ومع روسيا في أوروبا ، ترامب يريد إغلاق الملفات بأي ثمن وبأي أسلوب، حتى لو كان ذلك الأسلوب هو الصدمة والترويع للحلفاء قبل الخصوم.
العبرة المستخلصة هنا، والتي لطالما رددناها هي أن القوى العظمى ليس لها صداقات دائمًا، بل لها مصالح دائمة ، وحين تصبح تكلفة حماية الحليف أعلى من العائد المستهدف منه، فإن لغة الصفقات تتفوق على لغة العواطف.
إن أزمة إسرائيل الحقيقية ليست في جبهاتها المشتعلة فحسب، بل في أن كفيلها الإمبراطوري بدأ يشعر بالإنهاك من نزواتها العسكرية، ويطالبها علنًا بدفع ثمن الحماية، أو الإنصياع الكامل لدفتر شروط البيت الأبيض ، ونحن هنا لا ننتظر لنرى كيف ستنتهي الحرب، بل نراقب كيف يتغير شكل العالم وشكل المنطقة تحت وطأة التحولات الكبرى.