ساعات الحسم الفني ... القراءة السرية لملفات التفاوض الأمريكي الإيراني

الموجز

حين يكتب التاريخ المعاصر صفحة هذا الشرق، فلن يجد تعبيراً يعبر عن أزماته كصوت المدافع وهي تفتتح دروب السياسة، أو صرير الأقلام وهي ترسم حدود الهدنة في غرف السويسريين الباردة ، إن ما جرى ويجري الآن بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، مع إختتام جولة المفاوضات الأولى وتوقيع مذكرة التفاهم لـ 60 يوماً، هو تجسيد حي لمعادلة صراع الإرادات بين إمبراطورية تملك أسباب القوة الكونية، وثورةتحصنت بالجغرافيا والتاريخ والآيديولوجيا ومضيق هرمز.

لقد توقفت الآلة العسكرية، وصمتت الطائرات والمدافع بعد أسابيع من المواجهة الدامية التي أعقبت هجمات فبراير 2026، لتبدأ معركة أشد شراسة وأكثر تعقيداً معركة الطواقم الفنية إننا لا ننظر هنا إلى مجرد إتفاق لوقف إطلاق النار، بل نحن أمامهدنة محاربين تحت المجهر؛ حيث يجلس الفنيون والخبراء وراء الستائر المغلقة ليفككوا لغزاً إستعصى عقوداً، واضعين مصير الشرق الأوسط بأكمله على طاولة التشريح.

إذا رغبنا في النفاذ إلى جوهر هذه الجولة الأولى، يتوجب علينا تجاوز البيانات الرسمية الرنانة الصادرة عن البيت الأبيض أو تصريحات الرئيس دونالد ترامب عبر منصته الرقمية،

لنكشف أسرار هذه الجولة في ثلاثة ملفات رئيسية شكلت العمود الفقري للمفاوضات الشاقة:

الأول ،واشنطن دخلت المفاوضات مدفوعة بهاجس واحد صاغه نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إلتزام قاطع بعدم حيازة سلاح نووي أو الأدوات المفضية إليه،

السر الحقيقي الذي ناقشته الطواقم الفنية هو كيفية التخلص من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي النسبة القريبة جداً من درجة النقاء العسكري ، الولايات المتحدة تصر على تفكيك المواقع وشحن هذا المخزون إلى بلد ثالث، بل وتطالب بـ تخصيب صفري ومدى زمني للوقف يصل إلى 20 عاماً، بينما تتمسك طهران، عبر رئيس منظمتها للطاقة الذرية، بالحق السيادي في التخصيب السلمي، واضعة سقفاً لا يتجاوز 10 سنوات لأي تجميد مؤقت.

 

 

الثانى ،كان إغلاق مضيق هرمز الصدمة التي هزت الإقتصاد العالمي وأجبرت الجميع على الجلوس حول طاولة المفاوضات بوساطة باكستانية وعُمانية ، السر هنا يكمن في معادلة النفط مقابل الأصول ، إيران وافقت على إعادة فتح المضيق لضمان تدفق التجارة العالمية، وبالمقابل، حصلت فوراً على إعفاءات تشريعية تتيح لها بيع النفط بلا قيود، والوصول الفوري إلى جزء من أصولها المجمدة التي تتراوح بين 80 إلى 100 مليار دولار.

الثالث ،خلف الأبواب المغلقة، كان النقاش حامياً حول دور أذرع إيران الإقليمية ومستقبل الصراع في لبنان ،تضغط واشنطن لإنتزاع تعهدات بوقف الدعم المالي والعسكري لحلفاء طهران، بينما ترى إيران في هذا العمق الإستراتيجي خط دفاعها الأول الذي لا يمكن مقايضته إلا بإنسحاب أمريكي كامل من المحيط القريب لإيران، وهو بند ورد في المذكرة ومتروك الآن لتقدير الطواقم العسكرية والتقنية لتحديد مفهوم المسافة الآمنة.

إن الشياطين تسكن دائماً في التفاصيل، وحين تعجز السياسة عن الحسم، يتقدم التكنوقراط لملء الفراغ، إما بالحلول المبتكرة أو بالألغام المؤجلة،

هذا هو حال الطواقم الفنية اليوم؛ الدبلوماسيون رفيعو المستوى وضعوا الخطوط العريضة والمبادئ الحاكمة في مذكرة تفاهم 17 يونيو، ثم غادروا ليتركوا الخبراء الفنيين أمام جبال من الملفات المعقدة ، هؤلاء الخبراء ينقسمون إلى فئتين

 

خبراء الميكانيكا النووية ،وهم الذين يناقشون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية آليات التفتيش المفاجئ، وكيفية إعادة تفعيل البروتوكول الإضافي، وتحديد مصير أجهزة الطرد المركزي المتطورة التي لم تدميرها فى ضربات 2025 العسكرية.

القانونيون والمصرفيون ،وهم المعنيون بوضع جدول زمني معقد لرفع العقوبات الأمريكية وقرارات مجلس الأمن الدولي، مع صياغة آليات تضمن عدم إلتفاف واشنطن عليها مجدداً، ويدرس هؤلاء تفاصيل إنشاء صندوق إعادة الإعمار والتنمية الإقتصادية لإيران المقدر بـ 300 مليار دولار، وهو لغز مالي لم تتحدد جهات تمويله بعد بشكل قطعي.

إن مهلة الـ 60 يوماً التي بدأت بمنتصف يونيو 2026 هي إختبار توازن الرعب ، فالأمور تسير في مسارين لا ثالث لهما

فإما نجاح الطواقم الفنية في صياغة إتفاق توافقي يقبل فيه الرئيس ترامب بـ تخصيب محكوم ومراقب تحت سقف تفتيش صارم جداً يعطيه إنتصاراً سياسياً محلياً، مقابل تدفق النفط الإيراني وإستقرار أسواق الطاقة العالمية، ورفع تدريجي ومجدول للعقوبات عن طهران ، وهذا السيناريو يتطلب مرونة غير معهودة من الطرفين، وضمانات دولية عبر قرار جديد من مجلس الأمن يخلو من صواعق التفجير الذاتي.

 

 

وإما أن يصطدم التصلب الآيديولوجي الإيراني بشأن حق التخصيب المطلق مع الإصرار الأمريكي على الإستسلام غير المشروط للمشروع النووي ، في حال فشل الطواقم الفنية في إيجاد مخرج قانوني وتقني خلال المهلة المحددة، فإن الهدنة لن تجد ما يسندها، وسنكون أمام جولة جديدة من المواجهة العسكرية التي قد تفوق في عنفها ما جرى في الربع الأول من هذا العام، حيث هددت واشنطن بإستهداف البنية التحتية الشاملة وجسور إيران ومحطات طاقتها بالكامل.

يبدو أن جولة المفاوضات الأولى لم تكن نهاية المطاف، بل كانت مجرد إعادة تموضع للقوى على رقعة الشطرنج. لقد أثبتت الحرب لكل من واشنطن وطهران حدود القوة؛ فالولايات المتحدة أدركت أن كسر إرادة إيران العسكرية لا يعني إستسلامها السياسي، وإيران أدركت أن ثمن المضي قدماً بلا كوابح نووية قد يكلفها سلامة بنيتها الأساسية والإستقرار الإقتصادي لداخلها المضطرب.

إن الطواقم الفنية التي تعمل الآن في صمت، لا تكتب مجرد بنود تقنية؛ إنها تعيد صياغة موازين القوة المعاصرة في الشرق الأوسط ،وسواء أفضت هذه الجهود إلى سلام أو عادت بالمنطقة إلى لغة النار والبارود، فإن الثابت الوحيد هو أن الشرق الأوسط يقف اليوم على حد السكين، يرقب تفاصيل صغيرة يخطها خبراء التكنوقراط، لكنها تحمل في طياتها مصير السلم والحرب للعالم أجمع.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

ساعات الحسم الفني ... القراءة السرية لملفات التفاوض الأمريكي الإيراني

بقلم ياسر بركات