لبنان في مهب العاصفة ... الإتفاق الإطاري والملحق السري.. السيادة المذبوحة ووهم النجاة

الموجز

ما جرى ويجري في كواليس القرار الدولي، وفي الغرف المغلقة التي تُصنع فيها مصائر الأمم، لا نملك إلا أن نعود بذاكرتنا إلى منطق التاريخ وقواعد الجغرافيا السياسية ، إن ما تسرب، ، ليس مجرد ترتيبات أمنية عابرة أو صياغات دبلوماسية لإنهاء جولة من القتال ، نحن هنا أمام وثيقة كبرى، أسموها الإتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان، لكنها في جوهرها وحقيقتها، تمثل زلزالاً سياسياً وإستراتيجياً يعيد صياغة معادلة الشرق الأوسط على حساب الجسد اللبناني المثخن بالجراح.

إن القارئ لروح هذه النصوص يدرك فوراً أننا لسنا بصدد تسوية بين أطراف متكافئة، بل نحن أمام عملية هندسة أمنية وسياسية فرضتها موازين قوى مختلة، وحالة إنهاك قصوى عاشتها الدولة اللبنانية ،وهنا يكمن الخطر؛ فالنصوص في عالم السياسة الدولية لا تُقرأ بحسن النوايا، بل بالقدرة على فرضها في الواقع، وما يُعرض اليوم على أنه طوق نجاة للبنان، قد يكون في حقيقته قيداً يُطوق عنقه لسنوات طويلة قادمة.

السيادة، كما علمنا التاريخ، مفهوم لا يقبل التجزئة؛ إما أن تكون كاملة أو لا تكون ، وحين نلتفت نجد أن الإتفاق الإطاري يطرح معضلة كبرى تمس صميم السيادة اللبنانية،

الإتفاق، في مجمله، يتحدث عن بسط سلطة الدولة اللبنانية والجيش اللبناني على كامل أراضيه، وهو مطلب يبدو في ظاهره حقاً وضرورة ،لكن الشيطان كما يُقال دائماً يكمن في التفاصيل والآليات، فخطة إنفاذ هذا الإتفاق تضع الدولة اللبنانية تحت نوع من الوصاية الأمنية الدولية المشتركة ، حيث تشرف لجنة دولية بقيادة أمريكية مباشرة على مراقبة التحركات، وتفتيش المنشآت، والتحقق من منع أي مظاهر مسلحة غير شرعية،

هذا النمط من الإشراف، في العرف السياسي، يسحب البساط من تحت أقدام المؤسسات الدستورية اللبنانية ، تصبح الدولة، وجيشها الوطني، في موقف الطرف المطالب بتقديم كشوف حساب دورية لجهات خارجية ،إنها حالة من تقييد الحركة الإستراتيجية تجعل القرار السيادي اللبناني مرتهناً بالفيتو الأمريكي والمزاج الإسرائيلي، وهو ما يُفرغ مفهوم الإستقلال من مضمونه الفعلي ويحوله إلى لافتة بروتوكولية لا رصيد لها على أرض الواقع.

 

 

وإذا إنتقلنا إلى الجانب الأكثر خطورة وإثارة للقلق في هذه الصفقة الإقليمية؛ إنه الملحق الأمني السري ، إن هذا الملحق، يمثل إختراقاً غير مسبوق للنسيج الأمني اللبناني، حيث يمنح الجيش الإسرائيلي إمتيازات خطيرة تحت مسمى حق الدفاع عن النفس ومنع التهديدات الوشيكة،

ويمكن تلخيص أبرز ما جاء في هذا الملحق السري ،

إنة يمنح سلاح الجو الإسرائيلي الحق في مواصلة عمليات الإستطلاع والمراقبة في الأجواء اللبنانية لضمان عدم إعادة تسليح أي فصيل، وهو ما يعني عملياً شرعنة الإنتهاك المستمر للأجواء اللبنانية بغطاء دولي.

الأخطر من ذلك، هو بند الإنفاذ الذاتي، إسرائيل إحتفظت لنفسها، بموجب هذا الملحق وبتعهد أمريكي مكتوب، بحق التدخل العسكري المباشر وضرب أي أهداف داخل الأراضي اللبنانية إذا ما رأت أن الجيش اللبناني أو القوات الدولية "اليونيفيل" قد أخفقا في إزالة ما تصفه بـ التهديد الوشيك.

ويعطي الملحق قوات المراقبة الدولية إمتيازات تفتيش أي نقطة أو منشأة عامة أو خاصة يشتبه في إحتوائها على سلاح، دون الحاجة لترخيص مسبق من السلطات القضائية اللبنانية، مما يجعل البلاد مكشوفة أمنياً بالكامل.

 

إن هذه الإمتيازات الممنوحة للجيش الإسرائيلي لا تعني فقط إنتهاك السيادة، بل تعني وضع لبنان في مركز المتهم الدائم الذي يظل أمنه وإستقراره تحت رحمة التقييمات الأمنية الإسرائيلية، والتي غالباً ما تخضع للحسابات السياسية الداخلية في تل أبيب.

إذا كانت التداعيات على السيادة الخارجية مدمرة، فإن أثر هذا الإتفاق على الجبهة الداخلية اللبنانية لا يقل خطورة ، لقد عاش لبنان عقوداً من الزمن يتأرجح على حافة السلم الأهلي الهش، وكانت صياغة مواقفه تجاه الصراع العربي الإسرائيلي دائماً مادة للسجال والإنقسام.

الإتفاق الإطاري بملحقه السري يأتي اليوم ليفجر لغماً جديداً في قلب الوحدة الوطنية اللبنانية ، فالخارطة السياسية في بيروت تنقسم حيال هذا التطور إلى تيارين متصادمين:

التيار الأول المؤيد أو المستسلم للواقع ، التيار الثاني المعارض والرافض،

الأول يرى في الإتفاق خطوة ضرورية لوقف نزيف الدم وإعادة الإعمار، وينظر إلى البنود الأمنية كشر لا بد منه لتفادي دمار شامل أوسع ، الثانى يرى في الإتفاق صك إستسلام يفرط بدماء الشهداء ويسلم البلاد لقمة سائغة للهيمنة الإسرائيلية والأمريكية.

 

هذا التباين الحاد في الرؤى، يهدد بنقل الصراع من الجبهة الحدودية إلى الشارع اللبناني ، إن إلزام الدولة اللبنانية بمطاردة السلاح أو تفكيك شبكات المقاومة بضغط أمريكي وإسرائيلي، قد يضع الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة مع فئات واسعة من شعبه، وهو سيناريو لطالما سعت القوى الوطنية اللبنانية لتفاديه، لأن بديله المباشر هو الإنزلاق نحو إقتتال داخلي لا يبقي ولا يذر.

إن القراءة المتأنية لهذا الإتفاق الإطاري تقودنا إلى حقيقة واحدة، طالما رددناها في قراءتنا للصراع العربي الصهيوني إن السلام الذي يُصنع في ظلال الطائرات وفرض الشروط لا يصنع إستقراراً، بل يؤجل الإنفجار.

لقد نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل، عبر هذا الإتفاق، في تحويل العبء الأمني من عاتق الإحتلال إلى عاتق الدولة اللبنانية نفسها، وجعلت من السيادة الوطنية ثمناً مدفوعاً مقدماً لوقف آلة القتل ، إن لبنان اليوم يقف أمام إختبار تاريخي عسير؛ فإما أن تنجح قواه الحية في صياغة موقف وطني جامع يحمي ما تبقى من كرامتة وسيادتة ويمنع تسييل هذه الإتفاقيات إلى فتنة داخلية، وإما أن يدخل لبنان في عصر جديد من الوصاية المقننة التي تجعل من بيروت، العاصمة الثائرة والمثقفة، مجرد صدى لقرارات تُتخذ في واشنطن وتُنفذ بضربات من تل أبيب.

 

التاريخ لا يرحم الضعفاء، والوثائق السرية مهما حُجبت، فإن آثارها على الأرض تظل ناطقة بالحقائق ،وحقيقة الأمر اليوم، أن لبنان يمر بمرحلة إعادة صياغة، يتداخل فيها الوهم بالضرورة، وتضيع فيها السيادة بين نصوص الملاحق السرية وعلانية الإنكسار الإستراتيجي.

 

 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

لبنان في مهب العاصفة ... الإتفاق الإطاري والملحق السري.. السيادة المذبوحة ووهم النجاة

بقلم ياسر بركات