تفكيك العرش المالي ... عندما تبيع طوكيو وبكين صكوك الإمبراطورية الأمريكية
هناك لحظات في تاريخ الإمبراطوريات لا تُقاس بالسنوات، بل تُقاس بالهزات الإرتدادية التي تتوالى تحت أرضها، دون أن يلتفت إليها القابعون في غرف القرار إلا بعد أن تنفرّج الأرض عن التصدّع الأخير.
حين نتأمل خرائط حركة المال في العالم، نكتشف إننا لا نواجه مجرد تذبذبٍ عابر في الأسواق المالية، بل نعيش لحظة زلزال مالي يعيد رسم خريطة القوة والنفوذ في هذا العالم.
إن المسألة أكبر بكثير من سعر فائدة يُرفع هنا، أو خفض عملة يُفرَض هناك ، إنها تتعلق بالبنية الأساسية التي قام عليها النظام العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومؤتمر بريتون وودز، وحين أُزيح الغطاء الذهبي عن الدولار في صدمة نيكسون عام 1971، لقد ظلت السندات الأمريكية هي الملاذ الآمنومستقر الخزائن للبنوك المركزية حول الأرض ، أما اليوم، فالصورة تتغير، واليقين الذي أدار العالم ينفرط عقدُه.
تُظهر البيانات المالية المتواترة أن الصين واليابان وهما أكبر دائنين خارجيين للولايات المتحدة الأمريكية تبيعان السندات وأذون الخزانة الأمريكية بأرقام قياسية غير مسبوقة.
لم تكن بكين بمعزل عما جرى للخزائن الروسية عقب أزمة أوكرانيا ، لقد رأت الصين بأمّ العين كيف تم تجميد أكثر من 300 مليار دولار من الأصول الروسية بضغطة زر في واشنطن وبروكسل. أدرك العقل الصيني المطبوع بالحذروالتخطيط البعيد المدى أن الإحتفاظ بأرقام مهولة من السندات الأمريكية يعني وضع خناق الإقتصاد الصيني في يد المشرّع في الكابيتول ،ومن هنا بدأت حركة التخلص التدريجي والهادئ من هذه السندات، وتحويل أرباح التجارة نحو الأصول الملموسة والسلع والإستحواذات، وفي مقدمتها الذهب.
أما اليابان، الحليف الأوثق لواشنطن في شرق آسيا، فلم تعد قادرة على تحمّل كلفة التبعية المطلقة لسياسات الفيدرالي الأمريكي، الين الياباني تعرض لضغوط هائلة وتهديد بالإنهيار أمام الدولار، فلم يجد بنك اليابان مفرًا من بيع جبال من السندات الأمريكية للحصول على السيولة الدولارية اللازمة للتدخل في سوق الصرف ودعم عملته الوطنية.
الملفت هنا ، عندما يتفق الخصم الأكبر (الصين) والحليف الأكبر (اليابان) على سلوك مالي واحد وهو بيع أدوات الدين الأمريكية فهذا يعني أن سحر السندات قد زال، وأن الثقة المفرطة في النظام المالي القائم على القطب الواحد قد بدأت تهتز في صميمها.
ما نشهده اليوم في أروقة البنوك المركزية عبر العالم من بكين إلى نيودلهي، ومن المنامة إلى أنقرة وبعض العواصم الأوروبية ليس مجرد تنويع روتيني للإحتياطيات، بل هو فرار جماعي نحو الملاذ الأزلي ، لقد تفوق الذهب في معدلات نموه وجاذبيته الإستثمارية على أدوات الدين الأمريكية.
البنوك المركزية أصبحت تشتري الذهب بآلاف الأطنان، مستبدلةً به أرقامًا إفتراضية في منظومة سويفت قد تُحظر في أي لحظة بداعي عقوبات سياسية ، إن الذهب لا يملك رقماً تسلسلياً سياسياً، ولا يخضع لقرارات الخزانة الأمريكية، ولا يمكن تجميده بقرار تنفيذي من البيت الأبيض.
هذا التحول الهيكلي نحو الذهب هو المؤشر الأبرز على أن العالم يتحول بالفعل إلى نظام مالي متعدد الأقطاب ، لم يعد العالم مستعداً للقبول بوضع تكون فيه عملة دولة واحدة هي المعيار والمقياس والملاذ، بينما ديون تلك الدولة تتجاوز حاجز الـ 39تريليون دولار وتتزايد بشكل متسارع.
بينما كانت التفاعلات المالية تخلع رداء العافية عن الإقتصاد الأمريكي، كانت خطوط الإتصال الدبلوماسي بين شرق آسيا والشرق الأوسط تكشف عن إدراك جديد لموازين القوى العالمية،
في مشهد بليغ الدلالة، تُجري رئيسة الوزراء اليابانية إتصالاً هاتفياً بالرئيس الإيراني، لم تكن تلك المكالمة مجرد مجاملة دبلوماسية، بل كانت تعبيراً عن قلق عميق يساور شريان الإقتصاد الياباني.
إن الشرايين البحرية التي يمر منها نحو 20% من نفط العالم لم تعد قادرة على إستيعاب المغامرات السياسية أو العسكرية،واليابان، التي لا تملك رفاهية الإنقطاع عن طاقة الخليج، ذهبت تتحدث مباشرة مع طهران لضمان عبور ناقلاتها دون عوائق، في إقرار ضمني بأن مفاتيح الحركة في الإقليم لم تعد حصرياً في أيدي الأسطول الأمريكى الخامس، بل أصبحت محكومة بالتوازنات الميدانية المباشرة مع الدول المشاطئة للمضيق.
على الجانب الآخر من المشهد، ، تتبدى واحدة من أكثر الصور كاريكاتورية في تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة،
ينسب إلى مسؤولين إيرانيين وفي مقدمتهم وزير الخارجية الإيراني مقولة تعكس عمق المأزق الذي تعيشه واشنطن من منظور خصومها،
إن إيران لا تسعى ولا تفكر في إغتيال دونالد ترامب؛ فلا داعي إطلاقاً لمثل هذا العناء، ترامب يقوم بالمهمة كاملة لتدمير التماسك الأمريكي والسيطرة الإقتصادية للولايات المتحدة من الداخل، فلماذا نقتله وهو يقوم بعملنا نيابةً عنا؟!
وسواء أكان هذا التعبير يتداول في الغرف المغلقة أو يتردد صداه ، فإنه يلخص جوهر الأزمة المالية والسياسية للولايات المتحدة.حيث
الإستقطاب الداخلي الحاد الذي ينهك مؤسسات القرار في واشنطن،
وحيث السياسات الإقتصادية المتقلبة، القائمة على التهديد بالعقوبات وزيادة التعريفات الجمركية، والتي دفعت حلفاء أمريكا قبل أعدائها للبحث عن بدائل آمنة بعيداً عن الشراكة مع واشنطن.
إن التاريخ يخبرنا دائماً بأن الإمبراطوريات لا تسقط فجأة بجدار واحد ينهار، بل بتآكل متدرج في قسائم الثقة التي تمنحها للعالم،
..حين يقرر العالم أن السندات الأمريكية لم تعد ملجأً أميناً،
..وحين تتزاحم البنوك المركزية على شراء الذهب ،
..وحين تبحث دول كبرى كاليابان عن أمنها الملاحي عبر الحوار المباشر مع طهران، متجاوزةً المظلة الأمريكية التقليدية،
فهذا معناه إعلانٌ واضح عن أفول عصر الهيمنة المطلقة وبداية مخاض قيصرية لنظام عالمي جديد، متعدد الأقطاب، لا تتحدث فيه واشنطن منفردة، ولا يملك فيه الدولار حق الفيتو على مقدرات الشعوب.
إن الزلزال المالي الذي يضرب الأسواق اليوم ليس سوى أولى الموجات الإرتدادية لعالمٍ يرفض أن يستمر في دفع فواتير الديون الأمريكية، ويستعد على مهلٍ وبحذر شديد لمرحلة ما بعد الإمبراطورية.