صراخ الصمت في أزقة فلسطين... المأساة الإنسانية حين تتجاوز حدود العقل والضمير

ياسر بركات
ياسر بركات

إن ما يجري على أرض فلسطين المحتلة اليوم لم يعد مجرد نزاع إقليمي أو مواجهة عسكرية عابرة، بل هو زلزال إنساني واستراتيجي يعيد تشكيل خارطة العلاقات الدولية، ويهز الأركان التي قام عليها النظام العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية،
والقارئ لمجريات الأحداث ، يدرك أن هناك شيئاً ما قد تحطم إلى غير رجعة ، لم تعد الصورة التي تسعى الآلة الإعلامية الإسرائيلية لترويجها قابلة للتصدير؛ فقد فرضت المأساة الإنسانية نفسها بصوت أبلغ من كل أبواق الدعاية.
حيث يعيش المواطن الفلسطينى الأعزل تفاصيل يومية تتجاوز في قسوتها حدود المخيلة الإنسانية ، لم تعد الحياة تتمحور حول البحث عن المستقبل أو تحسين جودة العيش، بل أصبحت مجرد محاولة غريزية للبقاء على قيد الحياة حتى مطلع الفجر التالي.

لقد تحولت المدن والقرى الفلسطينية إلى مساحات مفتوحة للقمع والمواجهة غير المتكافئة ، الأطفال الذين يقفون في طوابير المياه الصالحة للشرب، والأمهات اللاتي يبحثن بين الأنقاض عن بقايا دواء أو كسرة خبز، يسردون القصة الحقيقية التي عجزت عن إخفائها البيانات العسكرية ، إن السياسات التي تعتمد على تجويع السكان، واستهداف البنى التحتية، وتحويل المدارس والمستشفيات إلى أهداف عسكرية، لم تسحق إرادة الإنسان الفلسطيني بقدر ماكشفت عن المأزق الأخلاقي والعملياتي الذي يعانيه الاحتلال المجرم . 
إن ما يتعرض له الفلسطينيون ليس مجرد آثار جانبية للنزاع، بل هو تدمير منهجي لمقومات الحياة الأساسية ، هذا الحصار المركب الذي يجمع بين القصف الجوي والضغط الاقتصادي وتقييد الحركة في الضفة الغربية وغزة يضع المجتمع الفلسطيني بأكمله تحت حالة دائمة من الصدمة النفسية والإجبار على النزوح.
لكن لم يعد من الممكن النظر إلى الأحداث في فلسطين باعتبارها شأناً داخلياً يمكن احتواؤه بحدود القوة المسلحة،
فالاستمرار في ممارسة هذا القدر من الظلم والقمع ضد شعب أعزل يخلق بيئة عالية الانفجار، ليس فقط داخل الأراضي المحتلة، بل على امتداد الإقليم ككل.

فهذة الحالة تضعف فرص الشراكات الإقليمية وتداعي الاتفاقيات السياسية السابقة تحت ضغط الغضب الشعبي العربي والإسلامي المتصاعد.
وغياب الأمل السياسي وتدمير مقومات العيش الكريمة يصنع جغرافية جديدة من الرفض العنيف، تجعل من الصعب على أجهزة الأمن التحكم في مسارات الانفجار القادم.
إن استخدام قوة النار المفرطة لا يحقق الاستقرار المطلق، بل يؤجل الانفجار ويزيد من شدته عند وقوعه،
وعلى الجميع أن يعلم أن تأثير هذا الظلم لم يعد يقتصر عند حدود الميدان ، بل امتد ليزلزل القواعد التي بُنيت عليها العلاقات الدولية في المنظمات الأممية ، لقد شهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن تحولات غير مسبوقة في أنماط التصويت والتكتلات الدولية.
إن التصويت المتكرر بأغلبية ساحقة لصالح القرارات التي تطالب بوقف العدوان وتوفير الحماية للشعب الفلسطيني، مقابل عزلة صريحة لإسرائيل وعدد محدود جداً من حلفائها، يعكس تغيراً جوهرياً في الضمير العالمي ، لم يعد الموقف الدولي مجرد بيانات تعاطف شفاهية .


إن التاريخ يخبرنا بصريح العبارة: لا يمكن للسياسة المعتمدة فقط على تفوق الجيوش أن تلغي وجود شعب، ولا يمكن للظلم مهما بلغت شدته أن يستمر دون أن يرتد على أصحابه، إن ما تشهده فلسطين المحتلة اليوم ليس مجرد فصل مأساوي في كتاب المعاناة العربية، بل هو اختبار حقيقي لما تبقى من شرعية المنظومة الدولية.
إذا لم يتدارك العقلاء في هذا العالم هذه المأساة، وينتقلوا من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة إنهاء جذر العلة وهو الاحتلال وتجريد الشعب الفلسطيني من حقوقه الإنسانية والسياسية المشروعة فإن الحريق لن يبادر باستئذان أحد، ولن تقف شرارته عند حدود منطقة الشرق الأوسط، بل ستمتد ألسنته لتطال استقرار العالم بأسره.

 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

شيطان التفاصيل في نيويورك... صفقات الظل التي رسمت ملامح النظام العالمي الجديد

بقلم ياسر بركات