مأساة غزة... عندما تصبح دماء الفلسطيني حبراً لشهادة وفاة العدالة الدولية
فلسطين ليست مجرد قضية سياسية على جدول أعمال الأنظمة، بل هي خط الدفاع الأول عن الأمنالقومي العربي، بل وعن الضمير الإنساني في أسمى تجلياته ، حين ننظر اليوم إلى غزة، فإننا لا ننظر إلىبقعة جغرافية محاصرة بالحديد والنار والدم، بل ننظر إلى مرآة كاشفة تعكس، بلا رتوش، عورات النظامالدولي الراهن، وتطرح السؤال الأزلي والملحّ: أين هو الضمير العالمي مما يجري للمواطن الفلسطيني؟
إن ما تشهده غزة اليوم ليس مجرد جولة أخرى من الصراع العربي الإسرائيلي، بل هو تحول نوعي، زلزاليهز أركان النظام القائم ، الرواية بدأت تتغير، ليس حباً في العدالة بالضرورة، بل لأن حجم المأساة فاققدرة هذه المؤسسات على التعمية والإنكار،
لطالما تبنت أوروبا، الرواية الإسرائيلية بإعتبارها مسلّمة لا تقبل النقاش، لكن تدفق الدماء وحجم الدمارفي غزة أجبرهم على إعادة النظر، ولو من زاوية التوثيق الإنساني الصرف،
إنهم يتحدثون اليوم عن غزة بإعتبارها أكبر سجن مفتوح في التاريخ.
إن منع دخول المساعدات الإنسانية المسموح بدخولها إلى القطاع ليس مجرد إجراء أمني، بل هو سلاحإستراتيجي يُستخدم للضغط السياسي، وهو ما يصنفه القانون الدولي كجريمة حرب،
فلم يعد الهدف عسكرياً بالمعنى التقليدي ،بل الهدف جعل غزة مكاناً غير قابل للحياة البشرية ، ودفعالسكان نحو التهجير القسري،
إننا نتحدث عن عشرات الآلاف من الضحايا، أغلبهم من النساء والأطفال، وهو ما يعنى بأن الآلةالعسكرية الإسرائيلية تتجاوز مفهوم الدفاع عن النفس إلى مفهوم العقاب الجماعي الإبادي،
كيف يمكن للعالم الذي إنتفض في أشهر قليلة للدفاع عن أوكرانيا، وإعتبر رصيفاً مهدماً في كييف جريمةضد الإنسانية، أن يصاب بالعمى والصمم والخرس أمام جثث الأطفال في مستشفيات غزة؟ أين هو هذاالضمير العالمي الذي صدّع رؤوسنا بـ حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني؟.
لقد سقط القناع الليبرالي الغربي في وحل غزة ، ولم يعد بإمكان العواصم الغربية أن تبشر بنظام دوليقائم على القواعد، بينما هي تمنح إسرائيل حصانة مطلقة من العقاب والمحاسبة، وتسمح لها بأن تكوندولة فوق القانون الدولي ، إن هذا التواطؤ، الصريح منه والمبطن، يعيد إنتاج أبشع صور الإستعمارالكلاسيكي في القرن الحادي والعشرين،
لكن، وفي المقابل، ثمة شيء ما يتغير في بنية العقل الغربي، وتحديداً لدى الأجيال الشابة ،
الشباب لم يعودوا يستهلكون الرواية الرسمية الجاهزة ، بفضل وسائل التواصل الإجتماعي والتقاريرالميدانية المباشرة، أصبح المواطن الغربي يرى المأساة بالبث الحي والمباشر ، هذا الحراك الشعبيوالنخبوي يمثل الضمير العالمي البديل الذي يتشكل خارج أروقة الحكومات ومطابخ السياسة التقليدية.
إن هذا التحول، وإن كان بطيئاً ولم يغير بعد من السياسات الإستراتيجية للحكومات، إلا أنه يمثل شرخاًعميقاً في الجدار الإسرائيلي في الغرب ، لقد خسرت إسرائيل معركتها الأخلاقية تماماً، ولم تعد قادرة علىتقديم نفسها كـ واحة للديمقراطية في الشرق الأوسط، بل كدولة نظام فصلي عنصري بإعتراف كبرياتالمنظمات الحقوقية الدولية.
غزة لا تدافع عن نفسها فقط، بل هي تدافع عن ما تبقى من شرف هذه الأمة، وعن صدقية الضميرالإنساني في هذا العالم،
إن إسرائيل، برغم كل ما تملكه من ترسانة عسكرية أمريكية الصنع، وبرغم الغطاء الدبلوماسي الشامل،تبدو عاجزة عن تحقيق نصر سياسي حقيقي ، لأن النصر لا يقاس بحجم الدمار ولا بعدد الضحايا منالمدنيين، بل بالقدرة على فرض الإرادة ، والمواطن الفلسطيني في غزة، بصموده الأسطوري وسطالأنقاض والجوع، يعلن للعالم كله أن إرادة الحياة والحرية لا يمكن تدميرها بالقنابل الثقيلة،
لقد وضعت غزة العالم أمام خيار تاريخي: إما نظام دولي يحترم إنسانية البشر على حد سواء دون تمييزبين عِرق أو دين، وإما الغرق في غابة من الفوضى والتوحش حيث القوة هي الحق الوحيد ، وسيكتبالتاريخ أن غزة كانت نقطة التحول الكبرى، وأن دماء أطفالها كانت الثمن الباهظ لصحوة ضمير عالميطال غيابه، ولكنه سيعود حتماً .