زمن الإنكسار والرماد ... تراجيديا الدمار من قطاع غزة إلى تلال الجنوب
لم يكن الشرق الأوسط، في أي يوم من أيام تاريخه الحديث، مجرد رقعة جغرافية ساكنة؛ بل كان دائماً ساحة صراع تتداخل فيها الإرادات الدولية، وتتحطم على صخورها الأوهام ،واليوم، ونحن نرقب المشهد الحزين الممتد من أشلاء قطاع غزة الممزق إلى تلال الجنوب اللبناني المحترق، نجد أنفسنا أمام فصل جديد، ربما هو الأكثر دموية وعنفاً، من فصول صراع القوى في هذه المنطقة المنكوبة،
حين ننظر إلى قطاع غزة، تتبدى لنا صورة تتجاوز حدود الوصف الإنساني ،
إن حجم المتفجرات التي أُلقيت على هذه الرقعة الضيقة من الأرض يعادل قنابل نووية تكتيكية، مما أدى إلى تحويل غزة إلى مقبرة مفتوحة ومكان غير قابل للحياة البشرية لعدة أجيال قادمة،
المشهد في غزة، كما تصفه التقارير الطبية يتجاوز نمط الحروب التقليدية؛ نحن أمام تفكيك كامل للبنية المجتمعية والصحية ، الطائرات الإسرائيلية لا تقصف الحجر فحسب، بل تقصف إمكانية البقاء ، المستشفيات باتت أثراً ، ومحطات تحلية المياه توقفت، والأوبئة التي ظن العالم أنها تلاشت عادت لتهدد مئات الآلاف من الأطفال الذين باتوا يواجهون الموت تارة بالشظايا، وتارات أخرى بالجوع والتعطيش الممنهج،
وإذا إلتفتت العين شمالاً نحو الجنوب اللبناني، فإن المشهد لا يقل مأساوية ، بل يضيف بعداً إقليمياً أكثر خطورة ، بإعتبار الجبهة اللبنانية الضلع الثاني في معركة كسر الإرادات،
الجنوب اللبناني، بقراه الوادعة وتلاله التي شهدت عقوداً من الصراع، يتعرض اليوم لسياسة تدمير ممنهج تُشبه إلى حد كبير ما جرى في غزة ، بلدات كاملة سُويت بالأرض، وحقول زيتون تاريخية أُحرقت بالفوسفور الأبيض، في محاولة واضحة لخلق منطقة عازلة خالية من البشر والحياة،
الوضع في لبنان ليس مجرد مواجهة عسكرية بين جيش وتنظيم مسلّح؛ إنه إنهيار كامل لكيان يعاني أساساً من هشاشة سياسية وإقتصادية ، القصف المستمر لم يترك للعائلات في الجنوب خياراً سوى النزوح الجماعي، ليتكرر مشهد التغريبة الفلسطينية برداء لبناني، حيث تكتظ المدارس والساحات العامة في بيروت والجبل بآلاف المشردين ،
الوضع الإنساني المزري في كلا الجبهتين لم يعد مجرد أرقام تُحصى في ردهات الأمم المتحدة، بل هو مأساة حية،
أطفال يبحثون عن كسرة خبز تحت الأنقاض في دير البلح،
أمهات يفترشن الأرصفة في شوارع بيروت ،
إنعدام كامل لأبسط مقومات الرعاية الطبية، حيث تُجرى العمليات الجراحية وبتر الأطراف دون تخدير،
المساعدات الإنسانية تحولت إلى سلاح سياسي يُمسك بخناقه صانع القرار في تل أبيب، حيث يُسمح بمرور بضع شاحنات لذر الرماد في العيون، بينما الحقيقة هي حصار خانق يهدف إلى تركيع الإرادة الشعبية عبر بوابة الجوع والمرض،
إسرائيل، بدعم أمريكي وغربي غير محدود تحاول فرض شرق أوسط جديد بقوة السلاح، مستغلة حالة العجز العربي الشامل والمريب،
ومع ذلك، فالإنتصار العسكري المطلق الذي تبحث عنه إسرائيل هو وهم بإمتياز ، القوة الغاشمة يمكنها تدمير المدن، وقتل الآلاف، وتحويل الحواضر الإنسانية إلى ركام، لكنها أبداً لا يمكنها إبادة فكرة المقاومة أو إلغاء حق الشعوب في البقاء على أرضها،
إستمرار القصف على غزة وجنوب لبنان لا يحل المعضلة الأمنية لإسرائيل، بل إنه يزرع بذور صراعات قادمة أكثر شراسة وعنفاً ،كل طفل ينجو من الموت اليوم تحت أنقاض بيته في غزة أو صور أو النبطية، هو مشروع مقاتل في الغد، مدفوع برغبة عارمة في العدالة والقصاص،
المشهد الحزين في غزة والجنوب اللبناني ليس مجرد مأساة عابرة في كتاب التاريخ، بل هو إمتحان حاسم لضمير الإنسانية وللنظام الدولي الذي تهاوت شعاراته حول حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني تحت مجنزرات الدبابات في شوارع القطاع وتلال الجنوب،
إن الإمبراطوريات والقوى المهيمنة قد تملك فائض القوة لتدمير الحاضر، لكنها لا تملك أبداً القدرة على مصادرة المستقبل ،وسيبقى صمود هذه الشعوب، وسط هذا الركام والدم، هو الصخرة التي تتحطم عليها أوهام الهيمنة، ليبقى الشرق الأوسط لأهله، نابضاً بالحياة، مهما بلغت قسوة الخريف وطال زمن المعاناة.