حروب الهروب إلى الأمام ...من البنية التحتية لإيران إلى إنقلاب اليمين الأمريكي

الموجز

حين تجلس لتتأمل مشهد العالم اليوم، وتحديداً ذلك المربع الملتهب الممتد من شواطئ البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى هضبة إيران وجبال زاگروس، تجد نفسك مدفوعاً بضرورة التاريخ لا برغبة الحدث، إلى محاولة تفكيك شفرة ليل طويل يمر به الشرق الأوسط، ليلٌ يبدو فيه أن القوة الغاشمة تحاول، للمرة الألف، أن تفرض مشيئتها على الجغرافيا، ضاربةً عرض الحائط بكل سنن التاريخ وقوانين حركة الشعوب،

إن ما نشهده اليوم في المنطقة، من رصدٍ دقيق لما يمكن تسميته بـ العربدة الأمريكية، لا يمكن قراءته بمعزل عن أزمة الإمبراطورية في واشنطن ، نحن أمام مشهد مركّب، تتداخل فيه حشرجة السلاح فوق مياه الخليج، مع أصداء إنقسام سياسي عميق ومزلزل داخل العاصمة الأمريكية نفسها؛ إنقسامٌ يلوّح فيه بعض أقطاب اليمين القومي بإن هناك ملامح ثورة أو تصدع داخل تيار ماجا ضد الرئيس دونالد ترامب بسبب هذه المغامرات العسكرية،

 

 

 

فالمنطقة دخلت في طور مواجهة شاملة ، لم تعد الولايات المتحدة تكتفي بالدعم من وراء خطوط الجبهة، بل تحولت إلى شريك عملياتي مباشر وعضوي مع تل أبيب في إستهداف البنية التحتية والمرافق الحيوية للجمهورية الإسلامية الإيرانية،

إن إعلان الجيش الإسرائيلي عن قيام واشنطن بتعزيز قواتها وضخ أسراب من الطائرات العسكرية المقاتلة وطائرات التزويد بالوقود نحو المطارات والقواعد العسكرية الإسرائيلية ولا سيما قاعدة عوفدا ومطار بن جوريون  هو مؤشر على أن الخطط تجاوزت مرحلة الردع إلى محاولة التغيير الإستراتيجي بالقوة،

واشنطن وتل أبيب تراهنان على أن ضرب شبكات الطاقة، والمطارات، والجسور الحيوية مثل تلك المحيطة بـ بندر عباس في مضيق هرمز، سوف يؤدي بالضرورة إلى شلل القدرات الدفاعية الإيرانية، ويهيئ المناخ الداخلي لـ تغيير النظام مستغلة الضغوط الإقتصادية .

لكن المقاربة التاريخية لـ أزمة القوة الإمبراطورية تخبرنا بعكس ذلك؛ فالجغرافيا الإيرانية الصعبة، الممتدة والمعقدة، لا يمكن تطويعها بحملة جوية، وإغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية و30% من الغاز المسال كفيلٌ بقلب الطاولة وإدخال الإقتصاد العالمي في نفق مظلم من الركود والتضخم.

وفيما البوارج الأمريكية وحاملات الطائرات تبحر عبر البحر الأحمر وبحر العرب، كان هناك زلزال آخر يضرب البنية الفكرية والسياسية للتيار القومي الذي أوصل دونالد ترامب إلى سدة الحكم،

هنا، يصبح حديث الإعلامي الأمريكي الشهير تاكر كارلسون وثيقة بالغة الأهمية لفهم حجم المأزق ، كارلسون، الذي يُعتبر أحد الأقلام والمنصات الأكثر تأثيراً في معسكر المحافظين، خرج ليعلن بصوتٍ مليء بالمرارة ما يشبه الثورة الفكرية ضد ترامب،

تصريحات كارلسون بأن ترامب خان مبدأ أمريكا أولاً وإهتمامات الناخب الأمريكي،

وأن حرب إيران قد تكون هزيمة تاريخية تفوق حرب فيتنام،

ويقول كارلسون في تصريحاته الأخيرة ، إنه يشعر بـ العذاب والمعاناة الداخلية لدعمه السابق لترامب ، ويرى أن الإندفاع نحو الحرب مع إيران هو إرتهان لإملاءات تيار المحافظين الجدد ،واللوبيات المؤيدة لإسرائيل، وهو ما يمثل طعنة في قلب الوعود الإنتخابية التي إستمرت عشر سنوات وتعهدت بإنهاء الحروب الأبدية لأمريكا في الخارج.

 

هذا الحديث ليس مجرد نقد عابر، بل هو تعبير عن إنشطار عميق في النخبة الحاكمة الأمريكية ، حين يتهم كارلسون ترامب بأنه يتصرف ضد إرادته وخاضع لتأثيرات خارجية، فإنه يعلن نهاية الإجماع الشعبي حول سياسة ترامب الخارجية، ويفتح الباب أمام تفكك تحالف اليمين الشعبي، الذي يرى الآن أموال وموارد دافعي الضرائب الأمريكيين تحترق في سماء الشرق الأوسط لتأمين مصالح لا ناقة لشعبه فيها ولا جمل،

وعندما نصل إلى محاولة تركيب هذه الصور المتناثرة، يتبدى لنا بوضوح المقصد الإستراتيجي الأعظم ، إن الولايات المتحدة، عبر هذه العربدة العسكرية، تحاول الهروب من أزماتها الهيكلية الداخلية نحو الخارج ، إنها تحاول صياغة نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط بالحديد والنار، متناسية أن القوة الإمبراطورية مهما بلغت ذروتها، لها حدود تسقط عندها،

إن إستهداف البنى التحتية لإيران، وتكثيف الوجود الجوي في المطارات الإسرائيلية، قد يحقق تفوقاً تكتيكياً مؤقتاً أو يلحق ضرراً مادياً جسيماً ، لكنه من الناحية الإستراتيجية، يزرع بذور إنفجار أوسع لا يمكن لأحدٍ في واشنطن أو تل أبيب التنبؤ بنهايته ، إن إمعان واشنطن في لعب دور الشرطى العالمي لحسابات ضيقة، يجرها إلى مستنقع يرى حتى أخلص حلفائها في الداخل مثل تاكر كارلسون أنه يمثل إنتحاراً سياسياً وحضارياً للإمبراطورية.

 

 

القوة الإمبراطورية حين تفقد بوصلتها الأخلاقية والسياسية في الداخل، وتعتمد فقط على مخالبها العسكرية في الخارج، تكون قد بدأت بالفعل رحلة الإنكفاء والتراجع ، إن النيران الملتهبة في منشآت النفط والطاقة بالشرق الأوسط، ليست إلا إنعكاساً للشروخ العميقة التي تضرب جدران البيت الأبيض ومستقبل التماسك السياسي في أمريكا.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

حروب الهروب إلى الأمام ...من البنية التحتية لإيران إلى إنقلاب اليمين الأمريكي

بقلم ياسر بركات