عقيدة الخروج الهادئ... مستقبل الحرية والديمقراطية في شتاء التوافقات الإقليمية

الموجز

في خضمّ اللحظات الحرجـة من تاريخ الأمم ، لا تُقاس التحولات بالدبّابات التي تُحشَد على الحدود، بل بالجلسات الهادئة التي تُعقد بعيداً عن أضواء الكاميرات وزحام وسائل الإعلام ، ما يجري اليوم بين مسقط وطهران من مشاورات مغلقة وحثيثة بشأن تنظيم حركة الملاحة والأمن في مضيق هرمز دون وجود أو رعاية أمريكية ملموسة ليس مجرد حدث إقليمي عابر، بل هو دلالة على تحول عميق في هندسة الأمن الإقليمي.

تزداد الصورة تعقيداً ودلالة حين يتردد أصل هذا الصمت بصوت واضح قادم من العاصمة الباكستانية إسلام أباد، على لسان وزير دفاعها الذي أعلن صراحة أن الجهود القائمة باتت أقرب من أي وقت مضى إلى بلورة صياغة لسلام دائم وتفاهم إستراتيجي بين إيران والولايات المتحدة ، وإننا إذا جمعنا هذه الخيوط ووصلناها بالمفاوضات بين أمريكا وأسرئيل حول إعادة هيكلة المساعدات العسكرية وإلغاء التمويل المباشر لصالح شراكة إستراتيجية وتصنيعية متكافئة بحلول عام 2028، نكتشف أننا لا نقف أمام مصادفات سياسية متفرقة، بل أمام صياغة متكاملة لشرق أوسط جديد يُعاد فيه تعريف مفهوم التواجد والهيمنة الأمريكية.

تُظهر التحركات الإيرانية الأخيرة دراسة عميقة لمتغيرات النظام الدولي وحالة الإنهاك التي تعاني منها السياسات الخارجية للغرب، أدرك صانع القرار في طهران أن الإستمرار في مواجهة مباشرة ومفتوحة مع واشنطن في الممرات المائية يكلف الطرفين كثيراً، وأن الحل الأنجع يتلخص في تفكيك أدوات الهيمنة الأمريكية من الداخل،

من هنا جاءت الدبلوماسية الهادئة عبر سلطنة عُمان، فإختيار مسقط لم يكن من قبيل المصادفة؛ فالوسيط العُماني يمتلك القدرة التاريخية على توفير بيئة تفاوضية بعيدة عن المزايدات الإعلامية،تهدف إيران من هذه المفاوضات إلى تثبيت قواعد لعبة جديدة تعطي الأولوية لترتيبات أمنية تجمع الدول المطلة على المضيق مباشرة، مما يجعل التواجد العسكري الأمريكي المباشر يبدو غير ذي موضوع أو عبئاً غير مبرر.

كما تسعى إيران لتفكيك ذرائع التدخل المباشر، عبر مسارات السلام والتهدئة التي تتوسط فيها قوى إقليمية وآسيوية كبرى مثل باكستان، تسعى إيران إلى نزع ذريعة الخطر الإيراني الداهم التي إستخدمتها واشنطن لعقود لبناء وإستمرار قواعدها العسكرية في الخليج.

أما أمريكا فتسعى إلى التحول في العقيدة الإستراتيجية الأمريكية من التواجد إلى الإدارة عن بُعد.

ما نراه اليوم لا يمثل هروباً أمريكياً بائساً بقدر ما هو تطبيق لمفهوم إستراتيجي يُعرف بـ القيادة من الخلف أو إدارة التوازنات الإقليمية ببدائل أقل كلفة ،ومنها ،

الإعتماد على الوكلاء والوسطاء الإقليميين: صعود أدوار دول مثل باكستان وسلطنة عمان يتيح للواشنطن القبول بتفاهمات تضمن إستقرار تدفقات الطاقة دون أن تتحمل كلفة نشر أساطيلها ومجموعات حوامل الطائرات المكلفة.

إعادة توزيع التركيز الإستراتيجي: تضع واشنطن نصب أعينها التحدي الأكبر والمتمثل في التنافس مع الصين في المحيطين الهندي والهادئ، بالإضافة إلى إدارة الصراع في شرق أوروبا؛ وبالتالي، فإن تخفيف الأعباء المباشرة في الشرق الأوسط يمثل ضرورة إستراتيجية للتركيز على الجبهات الأكثر حساسية.

ويعتبر ملف إعادة صياغة العلاقات العسكرية الإسرائيلية–الأمريكية التطور الأكثر خطورة وتأثيراً في هيكلية المنطقة ، إن مناقشة إستبدال التمويل العسكري المباشر والمساعدات السنوية بشراكة تصنيعية وتكنولوجية متبادلة قبل إنتهاء مذكرة التفاهم الحالية عام 2028 يعكس عدة أبعاد استراتيجية.

منها ، التحول من التبعية إلى الندّية التكنولوجية ، ترغب إسرائيل في الخروج من جلباب المتلقي للمساعدات لتصبح شريكاً إستراتيجياً في تطوير تكنولوجيا الدفاع المتقدمة، مثل أنظمة الذكاء الإصطناعي، الأمن السيبراني، وأنظمة الدفاع الجوي المبتكرة، مما يمنحها حرية حركة أكبر وإستقلالية نسبية في إتخاذ القرار العسكري.

ومنها ،إعادة بناء ميزان الردع ، تعول واشنطن على تحويل حلفائها في المنطقة إلى قوى ذاتية القدرة على الردع والتنافس الإقتصادي والعسكري، مما يعفيها من الإلتزام بالتدخل العسكري المباشر لحماية أمنهم عند كل أزمة إقليمية.

فشكل العلاقة التقليدي حتى 2028 ، مساعدات مالية مباشرة ،وإعتماد كلي على الدعم الأمريكي.

أما شكل العلاقة الجديد بعد 2028 ، شراكة تكنولوجية وتصنيعية،  ردع إقليمي مستقل وتنافس إقتصادي.

 

 

 

 

إن إعادة تشكيل هذه التوازنات بين طهران وواشنطن، وتغيير شكل التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، سيترك أثاراً جليّة على الرقعة الإقليمية برمتها.

الممرات المائية والأمن البحري سيتم الإنتقال من الحماية الأمريكية المباشرة إلى ترتيبات أمنية ثنائية وإقليمية تقودها القوى المطلة على البحار.

تحول الصراع فى سباق التسليح من الحجم العددي للجيوش إلى إمتلاك التكنولوجيا المتقدمة، الذكاء الإصطناعي، والمسيرات.

المصالح الجيوسياسية ، نشوء نظام إقليمي يتسم بالسيولة؛ حيث تتلاقى المصالح وتتقاطع بين الخصوم القدامى وفق المصلحة المباشرة.

عند النظر إلى هذا المشهد الأكبر بآليات التحليل السياسي البارد، لتقديم قراءة صادقة بعيدة عن الأوهام والأمنيات ، حيث الشعوب العربية والإقليمية التي طالما حلمت بالحرية والعدالة الإجتماعية وبناء دولة الديمقراطية والمواطنة، قد تجد نفسها أمام واقع أكثر قسوة وحسابات أكثر تعقيداً.

الأولوية للإستقرار على حساب الإصلاح ، إن الإتفاقات التي تُبرم بين القوى الكبرى والإقليمية تُصاغ دائماً بمداد من المصالح الأمنية والإقتصادية ، الترتيبات المتعلقة بمضيق هرمز وأمن النفط لا تعير التفاتاً لمفاهيم حقوق الإنسان أو التحول الديمقراطي، بل تفضل التعامل مع أنظمة حازمة وقادرة على ضبط الأمن وتأمين المصالح.

تراجع التواجد الأمريكي المباشر لن يتبعه تلقائياً صعود لإرادة الشعوب، بل قد يترك المجال لقمة سائغة تنافس عليها القوى الإقليمية الرئيسية إيران، إسرائيل، وبقية المحاور الإقليمية، مما يجعل المنطقة ساحة لتصفية الحسابات أو لتوزيع مناطق النفوذ عبر تفاهمات فوقية تغيب عنها إرادة المجتمعات.

تغليب لغة السلاح والتكنولوجيا ، تحول العلاقات الدولية في المنطقة إلى نماذج الشراكة العسكرية المتقدمة والتنافس التسليحي سيوجه القسط الأكبر من ثروات المنطقة ونشاطها نحو القطاعات الأمنية والعسكرية، مما يقلل من الإستثمارات الموجهة للتنمية المستدامة، التعليم، والرفاه الإجتماعي.

التاريخ ينبئنا دائماً بأن القوى العظمى عندما تعيد ترسيم سياساتها وتنسحب ناعماً من المواقع الأمامية، لا تفعل ذلك حباً في إستقلال الشعوب أو رغبة في تمكينها، بل تفعل ذلك بعد أن تكون قد أتمت نقل أعباء المواجهة والصيانة إلى الأطراف المحلية،ما نراه اليوم ليس نهاية للتكالب على الشرق الأوسط، بل هو بداية لمرحلة جديدة يُعاد فيها كتابة قواعد اللعبة بمداد إقليمي، بينما تبقى الشعوب التائقة للحرية مطالبة بإنتزاع مكانها في هذا المشهد الشديد الصرامة والتعقيد.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

عقيدة الخروج الهادئ... مستقبل الحرية والديمقراطية في شتاء التوافقات الإقليمية

بقلم ياسر بركات