أسرار المحادثات العسكرية الإثيوبية-الأمريكية وتبعاتها على الأمن القومي المصري
في يومي 18 و19 أغسطس الجاري، شهدت أروقة وزارة الدفاع الأمريكية حدثاً حاسماً؛ حيث جرت محادثات رفيعة المستوى بين وفد عسكري إثيوبي رفيع ومسؤولين أمريكيين على رأسهم نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي للشؤون الأفريقية ، لم تكن المحادثات من نوع اللقاءات البروتوكولية الإستكشافية، بل تمخضت عن إتفاق صريح على رفع مستوى التعاون الدفاعي والأمني بين البلدين نحو إقامة شراكة إستراتيجية شاملة.
أى أننا لسنا أمام مجرد صفقة تسليح أو تفاهم أمني محلي، بل نحن أمام إعادة هيكلة وتشكيل لمعادلة النفوذ والقوة في منطقة القرن الأفريقي والتخوم الجنوبية للبحر الأحمر؛ وهي منطقة تمس بالعمق المباشر الحسابات الأمنية والقومية للدولة المصرية.
ترى واشنطن أن إثيوبيا تشكل مرتكزاً جيوسياسياً لا غنى عنه في شرق إفريقيا، لإعتبارات تتجاوز الحسابات التكتيكية الضيقة.
تشعر الإدارة الأمريكية بقلق بالغ من إستمرار التمدد الآسيوي في المنطقة، بدءاً من القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي، وصولاً إلى المحاولات الروسية المتكررة لإيجاد موطئ قدم دائم على البحر الأحمر ، ومن ثم، فإن إيثار واشنطن لرفع مستوى التعاون الدفاعي مع أديس أبابا يهدف إلى ربط المؤسسة العسكرية الإثيوبية بالمنظومة الأمنية الغربية بشكل كامل ومستدام.
كما تسعى العقيدة العسكرية الأمريكية الحالية إلى تقليل التدخل المباشر وإدارة الأزمات الإقليمية عبر شركاء محليين أقوياء، وتبدو إثيوبيا، بحجمها الديمغرافي وثقلها في الإتحاد الأفريقي، المرشح المثالي أمريكياً للعب دور الشرطي الإقليمى الحامي للمصالح الغربية في القرن الأفريقي ومكافحة الإرهاب في الصومال والحدود المتاخمة.
ترى الإدارة الأمريكية أن الإنهيار الأمني أو التفكك الداخلي لإثيوبيا سيعني كارثة إستراتيجية تزعزع إستقرار القرن الأفريقي بأكمله، وبالتالي فإن دعم الجيش الإثيوبي وتزويده بأنظمة مراقبة وإستخبارات متطورة يعد وسيلة لحفظ تماسك الدولة الإثيوبية.
وإذا إبتعدنا تماماً عن قضية سد النهضة وملف المياه والذي قُتل بحثاً وتحليلاً عبر السنوات الماضية فيما يخص تأثيرة السليى على الدولة المصرية ، ونظرنا مجرداً إلى أبعاد الإتفاق الدفاعي والأمني الأخير، نجد أن التداعيات الإستراتيجية على الدولة المصرية تحمل قدرة كبيرة على تغيير بيئة الأمن القومي المصري جنوباً،
فرفع التعاون الدفاعي إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية الشاملة يعني فتح أبواب البنتاجون أمام الجيش الإثيوبي للتحصل على
أنظمة دعم لوجستي وإستخباراتي متقدمة ،
وتقنيات رصد وإستطلاع جوي وفضائي عبر الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة،
وتدريبات رفيعة المستوى لرفع كفاءة القوات الخاصة والإستجابة السريعة.
هذا التدفق التقني والمعلوماتي يمنح المؤسسة العسكرية الإثيوبية تفوقاً نوعياً في الإقليم، مما يجعل القيادة الإثيوبية أكثر جسارة وتصلباً في التعامل مع محيطها الجغرافي، وشعوراً بالإستغناء عن تقديم تنازلات أو موازنات للشركاء الإقليميين وفي مقدمتهم مصر.
تعتبر مصر أن الأمن البحري لجنوب البحر الأحمر وباب المندب هو خط دفاع أول عن حركة الملاحة في قناة السويس وأمنها القومي المباشر، وحين تنشئ الولايات المتحدة محوراً دفاعياً وأمنياً مع دولة غير مشاطئة للبحر الأحمر كإثيوبيا، فإن ذلك يعني التغاضي عن ترتيبات الأمن البحري المباشر المعتمدة على الدول المشاطئة التاريخية، ومنح أديس أبابا رافعة سياسية وعسكرية للتدخل في ملفات البحر الأحمر، هذا الوضع يخلق حالة من المزاحمة الجيوسياسية لمصر في منطقة ينبغي أن يظل النفوذ فيها حكراً على الدول المشاطئة ذات الصلة المباشرة.
لقد عملت القاهرة خلال السنوات الأخيرة على بناء شبكة أمان وإستراتيجية تحالفات وثيقة مع دول حوض النيل ومحيط القرن الأفريقي مثل الصومال، وجيبوتي، وإريتريا، والسودان ما قبل الأزمة ، وحظي هذا التواجد المصري بشرعية حماية التوازن، لكن منح أديس أبابا غطاءً أمنياً ودفاعياً من واشنطن سيجعل الدول المجاورة لإثيوبيا تشعر بتغير موازين القوى، مما يضغط على الهامش المتاح للدبلوماسية المصرية للتحرك والـتأثير في العمق الإفريقي.
الإتفاق الأخير سيعيد ترتيب أولويات القوى العظمى في المنطقة
حيث الإعتماد على أديس أبابا كركيزة أمنية أولى للبنتاجون في شرق إفريقيا،بما يعنى تقليص الإعتماد الغربي على الدور المصري في ترتيبات شرق إفريقيا .
كما أن مشاركة معلومات الرصد والإستطلاع وتأمين الممرات برياً، يؤدى لإنكشاف تحركات أطراف المنطقة أمام التقنيات الممنوحة لإثيوبيا ،وهو ما يمنح أديس أبابا هامشاً أوسع للمناورة وتجاهل المخاوف المصرية .
وسوف يؤدي هذا التفاهم إلى تحول أديس أبابا إلى قوة إقليمية مهيمنة برعاية غريبة، مما يدفع مصر تلقائياً إلى التفكير في إعادة صياغة تحالفاتها الإستراتيجية للحد من إنفراد أي طرف بالقرار الأمني لشرق إفريقيا.
القوى العظمى لا تمنح صكوك الشراكة المجانية، بل تتحرك وفق معادلة المصالح المجردة، وما حدث في واشنطن يومي 18 و19 أغسطس هو تنبيه جاد يوجب على صانع القرار في القاهرة إتخاذ خطوات إستراتيجية مضادة وحاسمة،وضرورة
إعادة فتح خطوط الحوار المباشر مع واشنطن، لتوضيح أن دعم طرف إقليمي واحد وتزويده بمقومات التفوق النوعي يخل بالتوازن التاريخي الحساس، ويهدد الإستقرار طويل الأمد للقرن الأفريقي والبحر الأحمر.
كما على مصر الإسراع بتفعيل تحالف بحري وأمني يجمع الدول المشاطئة للبحر الأحمر فقط، لقطع الطريق على إدخال أطراف غير مشاطئة في ترتيبات الملاحة والأمن البحري.
وعلى مصرتوسيع نطاق المساعدات العسكرية والتنسيق الإستخباراتي مع الدول المحيطة بإثيوبيا لضمان بقاء التوازن وعدم ترك الساحة الإفريقية لنفوذ القوة الواحدة.
إن الشرق الأوسط وقارة إفريقيا تقفان اليوم عند مفترق طرق حقيقي؛ فالتحالفات تتشكل من جديد، والجغرافيا العسكرية تُعاد رسمها داخل الغرف المغلقة في البنتاجون، ومصر، بما تمتلكه من ثقل تاريخي وجيوسياسي، قادرة على إعادة إرساء التوازن شريطة أن تقرأ المشهد ولا تكتفي بمراقبة الأحداث، بل تبادر بتشكيلها.