قصة الساعات التي حبست أنفاس العالم... دوافع الرحلة السرية لمدير المخابرات الأمريكية لموسكو

ياسر بركات
ياسر بركات

إذا نظرنا بدقة إلى طبيعة المفاوضات الشاقة والجارية تحت السطح بشأن إعادة فتح مضيق هرمز وضمان سلامة الملاحة فيه، فإننا نستشعر على الفور لغة عض الأصابع في أعلى درجاتها القاسية، فالولايات المتحدة، ومعها حلفاؤها في الغرب، يدركون تماماً أن إغلاق هذا الممر المائي الحرج أو حتى مجرد فرض قيود مشددة ورفع مخاطر التأمين على سفن الشحن وحافلات النفط فيه لا يمثل مجرد تهديد مؤقت لإمدادات الطاقة، بل إنه يوجه ضربة مباشرة وموجعة لصلب هيكل الإقتصاد العالمي ولأسواق المال الدولية، الدبلوماسية الأمريكية تحاول خوض المفاوضات تحت شعار فرض ترتيبات أمنية جديدة، تتيح الملاحة تحت رعاية إقليمية ودولية مشتركة تضمن عدم خضوع المضيق للسيطرة المطلقة لجهة واحدة. 


لكن في المقابل، تدرك الإدارة الإيرانية حجم القوة الإستراتيجية التي تمتلكها في هذا الملف؛ ولذلك فهي تتعامل مع هذا الكارت بإعتباره ورقة ضغط إستراتيجية حاكمة ، طهران لا تريد مجرد حلول جزئية للعبور البحري، بل تصر على إستغلال هذه الأزمة للوصول إلى رفع شامل وملموس للعقوبات الإقتصادية المشددة المفروضة عليها، مع الحصول على ضمانات أمنية وسياسية واضحة بعدم المساس ببنيتها التحتية أو النظامية.
المسألة هنا ليست مجرد شحنات نفطية تحاول العبور من مضيق بحري، بل هي عملية إرتهان أمني إستراتيجي ، إيران تثبت بالدليل القاطع قدرتها على إحداث شلل تام وخطير في خطوط الطاقة الدولية إذا ما شعرت بتهديد وجودي، بينما تسعى واشنطن بكل ما أوتيت من نفوذ لإبعاد هذه الورقة التهديدية عن طاولة أي إتفاق دائم وتجريد طهران من قدرة التعطيل الإستراتيجي.
وهنا نصل إلى الحدث الإستخباري والدبلوماسي الأكثر غموضاً وأهمية، وهوالرحلة السرية، الخاطفة، والسريعة لمدير المخابرات المركزية الأمريكية جون راتكليف، إلى العاصمة الروسية موسكو على متن طائرة عسكرية خاصة.
إن إستغراق الزيارة لساعات معدودة فقط قبل عودة الطائرة أدراجها قد أسقط كل التكهنات الدبلوماسية التقليدية ، فالزيارات من هذا النوع، وبهذا المستوى الرفيع، لا تُجرى لمجرد التباعد الدبلوماسي أو المجاملات البروتوكولية ، لماذا يطير رئيس أكبر وأهم جهاز إستخباري في الغرب بنفسه وفي هذا التوقيت البالغ الحرج، ولماذا أحاطت واشنطن وموسكو هذه الساعات القليلة بكتمان شديد وتصريحات في غاية الحذر والتدقيق؟.
كان الهدف الأول والأهم للزيارة هو نقل رسائل تحذير أمريكية قاطعة ومباشرة إلى القيادة الروسية بشأن الدور الذي تلعبه موسكو في المعادلة الإيرانية؛ وتحديداً ما يتعلق بتزويد طهران بمعلومات إستخبارية رقمية أو فضائية لحركة القوات الأمريكية، أو تقديم أي دعم تقني وعسكري متقدم قد يغير قواعد اللعبة على الأرض ويعزز موقف إيران في المواجهة المباشرة.
تدرك واشنطن جيدا أن القيادة الروسية تمسك بأوراق لعب جوهرية وضاغطة في ملفات متعددة ومتقاطعة عبر العالم، بدءاً من ساحات المواجهة التعقيدية في أوكرانيا وصولاً إلى التوازنات الحساسة في الشرق الأوسط ، وكانت زيارة راتكليف بمثابة عملية جس نبض إستخباري مباشر لمعرفة حدود التفاهمات الممكنة، ومحاولة عزل الملف الإيراني وتفكيك إرتباطه ببقية الجبهات الملتهبة.
وترى واشنطن أنة في لحظات الأزمات الكبرى التي تقترب فيها الأطراف من حافة المواجهة المباشرة، تصبح الدبلوماسية التقليدية عبر وزارات الخارجية بطيئة وغير قادرة على مجاراة التسارع الميداني، وجاءت زيارة راتكليف لفتح خط إتصال أمني مباشر ومستقيم بين البيت الأبيض والكرملين لتفادي أي سوء تقدير ميداني أو حسابات خاطئة قد تؤدي إلى إنفجار لا يرغب فيه الطرفان.
إن الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم في مواجهة معادلة إستراتيجية بالغة التعقيد والخطورة،
على المستوى الميداني والعسكري: تعي واشنطن أن الإنزلاق إلى تصعيد واسع النطاق ومفتوح الزمان والمكان سيؤدي إلى نزيف هائل في الموارد، ويشكل ضغطاً غير مسبوق على أسواق الطاقة والإقتصاد العالمي، وهو ما لا تتحمله البيئة السياسية الداخلية الأمريكية.
على المستوى الدبلوماسي: إن التوصل إلى إتفاق متماسك بشأن الأمن في مضيق هرمز يقتضي تقديم تنازلات ملموسة ومؤلمة لطهران، وهي تنازلات تجد واشنطن صعوبة بالغة في تسويقها أمام حلفائها في المنطقة وأمام الداخل الأمريكي المتشدد.
على المستوى الدولي: أصبح هناك إدراك تام في واشنطن بأن المفتاح الأساسي لمنع تحول هذه المواجهة الإقليمية إلى صراع دولي خرج عن السيطرة يمر حتما عبر التفاهم مع موسكو؛ ومن هنا كانت رحلة راتكليف خاطفة، مركزة، وحاسمة في رسائلها.
 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

قصة الساعات التي حبست أنفاس العالم... دوافع الرحلة السرية لمدير المخابرات الأمريكية لموسكو

بقلم ياسر بركات