زوال العرش الفردي ... رسائل بريكس من الهند إلى أروقة واشنطن
ما شهدته الهند في قمة مجموعة بريكس لم يكن مجرد إجتماع بروتوكولي لرؤساء دول وحكومات، بل كان أقرب إلى لحظة مكاشفة إستراتيجية في تاريخ العلاقات الدولية، وتحديداً في علاقة الشرق والجنوب العالمي بالأريكة الأطلسية المريحة التي جلست عليها واشنطن لنصف قرن.
وإذا حفرنا تحت سطح البيانات الختامية المصاغة بعناية دبلوماسية، وفتشنا في أوراق الكواليس ، سنجد أن قمة الهند حملت في رحمها،
إعادة تعريف مفهوم العولمة، فلم تعد العولمة مرادفة للنموذج الغربي أو للهيمنة الأمريكية، الكواليس شهدت نقاشات عميقة حول بناء شبكات أمان إقتصادية وتجارية مستقلة تماماً عن دوائر السيطرة الأطلسية.
كما أدركت العواصم الغربية، أن المحاولات الحثيثة لعزل بعض القوى الكبرى في المجموعة لم تؤدِّ إلا إلى تماسك الكتلة وتعميق شريان الشراكة بين القوى الناشئة.
وكانت الأسرار الأكثر إثارة للإقتفاء كانت في الغرف المغلقة بين نيودلهي وبكين؛ حيث نجحت الهند في التوازن على خيط مشدود، صياغة تكتل إقتصادي قوي دون الوقوع الكامل في الفلك الصيني، وممارسة دور الجسر الذي يخاطب الغرب بلغة الإقتصاد ويخاطب الجنوب بلغة المصير المشترك.
إن التمعن في الرسائل الموجهة إلى واشنطن ، يُظهر أن القمة أرسلت حزمة من الرسائل المباشرة والصريحة إلى البيت الأبيض، تلخصت في ثلاث نقاط جوهرية:
أولاُ ،نهاية عصر الدولار القادر على كل شيء ،والتوسع في إستخدام العملات المحلية في التسويات التجارية بين دول بريكس وهو ما يقطع خطوط التغذية الرئيسية للهيمنة المالية الأمريكية.
وثانياً ، كشفت القمة أن دوائر النفوذ القديمة قد إنكسرت، دول إفريقيا وآسيا لم تعد تقبل بلعبة التخيير الحاد بين الغرب والشرق، بل أصبحت تفضل صيغة التعددية المرنة التي تخدم مصالحها الوطنية أولاً.
ثالثاً ، بنك التنمية الجديد التابع لبريكس، وآليات التمويل الموازية، أصبحت تمثل حلاً عملياً للدول المنهكة من شروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والتي لطالما إرتبطت بالأجندة السياسية الأطلسية.
ولا يمكن فصل نتائج قمة بريكس في الهند عن مشهد التردد والإرتباك الذي يعتري السياسة الخارجية الأمريكية في الآونة الأخيرة ،فالإنكفاء الذاتي والإضطراب في الرؤية الإستراتيجية في واشنطن خلقا فراغاً هائلاً في القيادة الدولية.
هذا التراجع ليس مجرد ضعف في الإرادة، بل هو إنعكاس لأزمات بنيوية داخلية تجعل القوة العظمى الأولى غير قادرة على تقديم إجابات شمولية للتحديات العالمية الجديدة ، وبينما تخوض واشنطن معاركها الداخلية والسياسية، كانت دول بريكس في نيودلهي تبني النظام المالي والإقتصادي البديل.
إن قراءة المشهد الدولي المترتب على قمة بريكس تشير إلى أننا لا نتجه نحو حرب باردة جديدة بالمعنى التقليدي للكلمة، بل نحو عصر التعددية القطبية ،نظام دولي لا توجد فيه نقطة إرتكاز واحدة، بل مراكز ثقل متفرقة تتداخل وتتقاطع.
لقد أثبتت قمة الهند أن القوة في العالم المعاصر لم تعد تُقاس بالترسانات العسكرية وحدها، ولا بإمتلاك المطبعة الإقتصادية للعملة الرئيسية، بل بالقدرة على الشراكة والمرونة وإستيعاب تطلعات شعوب تشكل أغلبيّة سكان هذا الكوكب.
إن الرسالة الأهم التي خرجت من أرض الهند هي أن التاريخ لا يتوقف عند لحظة هيمنة معينة، وأن الخريطة الدولية تعيد رسم خطوطها بمداد جديد.. مداد يكتبه الجنوب العالمي بإرادته ومصالحه الذاتية