رئيس مكبّل وعالم مشتعل... عندما تتعطل بوصلة واشنطن وتشتعل رمال الشرق
اليوم، ونحن نتابع ارتدادات الزلزال الانتخابي الأمريكي الأخير وصعود الديمقراطيين ليقبضوا على مفاصل الكونجرس، نرى المشهد الأمريكي يدخل ما يسميه فقهاء الدستور هناك بحالة البطة العرجاء.
رئيس مقيّد الحركة في البيت الأبيض، غارق في حسابات النجاة السياسية ومواجهة لجان التحقيق والرقابة المالية الصارمة، وكونجرس يقوده خصومه الديمقراطيون الباحثون عن تصفية الحسابات وإعادة رسم حدود السلطة ، لكن السؤال الحقيقي، والمأزق التاريخي، ليس عما يجري بين ضفتي نهر البوتوماك، بل عما يفيض من هذا النهر ليغرق رمال الشرق الأوسط المشتعلة ، هذا الإقليم الغريب الذي يقف على مسافة ضوئية بعيدة كل البعد عن مختبرات الديمقراطية الغربية وتجاربها النظرية.
إن فوز الديمقراطيين لا يمثل تحولاً جذرياً في جوهر الإمبراطورية، بل يمثل أزمة إدارة داخل بنية القوة.
الغرب يرى الشرق الأوسط اليوم ليس ساحة لنشر القيم، بل حقل ألغام جيوسياسي ممتد من غزة وجنوب لبنان إلى مضيق هرمز والبحر الأحمر ، ولذلك فإن تحول الرئيس إلى بطة عرجاء يسقط عنه الهيبة الردعية ، فالرئيس الأمريكي، دستورياً، يملك حق الضغط على الزناد وإطلاق الصواريخ بصفته القائد العام، لكنه سياسياً بات عاجزاً عن كتابة الشيكات البيضاء أو إبرام صفقات سياسية كبرى تحتاج إلى تمويل ومصادقة من كابيتول هيل.
الديمقراطيون يلوّحون بسلاح المساعدات العسكرية والرقابة على التسليح وتفعيل قانون صلاحيات الحرب، وهو ما يخلق ارتباكاً لدى الحلفاء التقليديين في تل أبيب وبعض العواصم الإقليمية ، إن واشنطن دخلت طور الشلل الاستراتيجي ، حيث تصبح السياسة الخارجية أسيرة للمزايدات الحزبية، وحيث يفقد الحليف ثقته في التعهدات، وتفقد واشنطن قدرتها على فرض تسويات نهائية.
إن أي تراجع أو ارتباك في القرار الأمريكي يفتح الباب واسعاً أمام بكين وموسكو لملء الفراغ ، الصين تقدم نفسها شريكاً اقتصادياً وضامناً بلا شروط أيديولوجية، وروسيا تعزز تموضعها العسكري والتنسيقي مع القوى الإقليمية.
وإيران تقرأ لحظة ضعف الإدارة بدقة بالغة ، فإذا كان ترامب مقيداً بكونجرس ديمقراطي يرفض الانزلاق إلى حروب شاملة، فإن هامش المناورة الإيراني يتسع ، سواء في تثبيت معادلات الردع الصاروخي والبحري، أو في الاقتراب الحذر من العتبة النووية، في ظل تعثر الدبلوماسية وغياب التنسيق بين البيت الأبيض ومجلس النواب.
وتل أبيب تشعر بعزلة استراتيجية ناعمة ، فاليمين الإسرائيلي يواجه كونجرس ديمقراطي يزداد جناحه التقدمي شراسة في نقد الدعم العسكري غير المشروط ، هذا التناقض قد يدفع القيادة الإسرائيلية إلى تصرفات انفرادية ومغامرات عسكرية غير محسوبة لفرض وقائع على الأرض قبل أن تكتمل قيود الكونجرس.
إن الخطيئة الكبرى التي وقعت فيها الإدارات الأمريكية المتعاقبة ديمقراطية كانت أم جمهورية هي توهم إمكانية إعادة هندسة الشرق الأوسط بمفاهيم مستوردة ، هذا الإقليم محكوم بقوانين الجغرافيا، ومحفور بذاكرة التاريخ، ومسكون بهاجس الوجود والبقاء، لا بفلسفات جون لوك أو عقائد الديمقراطية الليبرالية.
الصراع في الشرق الأوسط ليس خلافاً برلمانياً يمكن تسويته بلجنة توفيقية، بل هو صراع على الأرض، والمياه، والسيادة، والمقدسات، وشرعية البقاء . والأنظمة الإقليمية، التي بنت استقرارها على توازنات معقدة وتحالفات أمنية صلبة، لا تنظر إلى فوز الديمقراطيين بوصفه انتصاراً للحرية، بل تراه عنواناً لمزيد من الضبابية وعدم اليقين . لقد خبرت العواصم العربية والإقليمية فترات التردد الديمقراطي طويلاً، وعلمت أن الخطوط الحمراء لواشنطن غالباً ما تُمحى حين تشتد العواصف.
نحن إذن لسنا بصدد فجر جديد، بل أمام استطالة لظلال الأزمة. إدارة أمريكية معطلة الأطراف، ورئيس مكبّل في الداخل، وكونجرس ديمقراطي يملك سلطة المنع والتعطيل لكنه يفتقد سلطة المبادرة والقيادة التنفيذية.
تحول السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط من محاولات الحسم والصفقات الكبرى إلى إدارة الأزمات بالتجزئة ، محاولات لتهدئة الجبهات ومنع الانفجار الشامل دون تقديم حلول للمظالم التاريخية وفي مقدمتها الحق الفلسطيني.
تسارع القوى الإقليمية الكبرى نحو التحوط الذاتي ، أي بناء شبكات أمان إقليمية وتفاهمات بينية بعيداً عن المظلة الأمريكية التي باتت تعاني من التصدع والرياح العاتية.
لقد أثبتت التجربة أن الشرق الأوسط لا تحركه نتائج صناديق الاقتراع في ولايات الغرب الأوسط الأمريكي، بل تحركه موازين القوة الراسخة في الميدان ، وبينما تنشغل واشنطن بمعاركها الحزبية الصغيرة، تظل رمال الشرق تدور في مداراتها المشتعلة، في انتظار من يملك الإرادة والرؤية لمخاطبة أصل الصراع، لا مجرد التكيف مع تداعيات عواهنه.