زلزال الدستورية .. ومصير تجار "الشابو"

الموجز

أساء البعض الفهم القانونى لحكم المحكمة الدستورية العليا الأخير ، فلم يكن هذا الحكم مجرد كلمات سُطرت في سجلات القضاء، بل كان انفجاراً قانونياً ترددت أصداؤه فوراً في بيوت الكثير من المصريين وفي ردهات المحاكم المكتظة بالقضايا، فبالنسبة لآلاف الأسر، حمل هذا الحكم بصيص أمل أو حالة من الترقب القلق، خاصة أولئك الموظفين الذين عصفت بمسيرتهم المهنية نتائج تحاليل المخدرات المفاجئة وأدت إلى فصلهم من الخدمة؛ إذ قد يفتح هذا الحكم باباً قانونياً لإعادة النظر في قرارات فصلهم إذا كان استنادها القانوني قد بني على جداول وتصنيفات طالها البطلان. 

 

وعلى الجانب الآخر، تسبب الحكم في "ورطة" إجرائية كبرى داخل أروقة المحاكم، حيث باتت مئات القضايا التي لا تزال قيد المحاكمة أمام محاكم أول درجة، أو تلك التي تنتظر حكماً في الاستئناف والنقض، في مهب الريح من حيث توصيف العقوبة ودرجة غلظتها، مما يضع القضاة والمحامين أمام تحدٍ هائل لإعادة تكييف هذه القضايا وفقاً للمراكز القانونية الجديدة التي أرساها الحكم.


وبعيداً عن ضجيج القضايا المنظورة، فإن جوهر هذا الحكم الدستوري التاريخي يكمن في فك التشابك بين سلطات الدولة وصلاحياتها، فقد قضت المحكمة بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023، والذي كان قد أحدث نقلة نوعية "تشديدية" في التعامل مع مخدر "الميثامفيتامين" أو ما يعرف بـ "الشابو"، بنقله من الفئات الأقل عقوبة إلى القسم الأول (ب) من الجدول رقم (1) الملحق بقانون مكافحة المخدرات، وهو القسم الذي يواجه فيه المتهمون أقسى العقوبات الجنائية. 

 

ورأت المحكمة أن هذا القرار قد انطوى على عيب جسيم في الاختصاص؛ إذ إن رئيس هيئة الدواء قد "افتئت" على التفويض التشريعي الممنوح حصراً لوزير الصحة والسكان بموجب المادة (32) من قانون المكافحة، متجاوزاً بذلك حدود الصلاحيات الممنوحة له في قانون مزاولة مهنة الصيدلة، مما جعل القرار والعدم سواء من الناحية الدستورية.

 


ولكن، وهنا تكمن النقطة الجوهرية التي تحسم الجدل وتمنع التأويلات الخاطئة، فإن هذا الحكم لا يعني بحال من الأحوال براءة المتهمين أو إسقاط صفة "المخدر" عن مادة الميثامفيتامين.

 

وكما وضح الأستاذ الدكتور طارق فتحي سرور، أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائي بحقوق القاهرة، فإن الأثر القانوني للحكم ينحصر في "انحسار التشديد وبقاء التجريم"، فالمادة المخدرة محل النزاع كانت قد أُدرجت أصلاً في جداول المخدرات بموجب قرار صحيح صادر من وزير الصحة والسكان رقم 46 لسنة 1997، ومن ثم فإن إبطال قرار سنة 2023 لا يلغي أصل الجريمة، بل يعيدنا فقط إلى الوضع العقابي الذي كان قائماً قبل صدوره.


إن الأثر الحقيقي لهذا الحكم هو إلغاء "تغليظ العقوبة" الذي استحدثه القرار، والعودة إلى القيد والوصف والعقوبة المقررة سابقاً وفقاً للأداة التشريعية الصحيحة. فالحيازة والإحراز والاتجار والتعاطي تظل أفعالاً غير مشروعة ومجرمة قانوناً، ولا يوجد أي "فراغ تشريعي" يسمح للمجرمين بالافلات من العقاب، وإنما سيحاكمون وفقاً للجدول الأصلي الذي لم يمسه البطلان.

 

 ورغم أن المذكرة الإيضاحية للقرار المقضي بعدم دستوريته كانت تهدف لنبل المقصد وحماية المجتمع من خطورة المخدرات التخليقية البالغة، إلا أن المحكمة الدستورية أكدت بقرارها هذا أن حماية المجتمع يجب أن تسير جنباً إلى جنب مع احترام صحيح القانون وتوزيع الاختصاصات كما رسمها الدستور، لتظل العدالة قائمة على أساس إجرائي سليم لا تشوبه شائبة بطلان.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

زلزال الدستورية .. ومصير تجار "الشابو"

بقلم ياسر بركات