كرامة المرأة بين الستر الشرعى ومهانة التفتيش

حصون العفاف لا تُهدم بالظنون

ياسر بركات
ياسر بركات

إن المقترح الداعي لإخضاع طالبات الجامعات لـ "كشف العذرية" تحت ذريعة محاربة الزواج العرفي يمثل صدمةً لمنظومة القيم الأخلاقية التي أرساها الدين الإسلامي، فهو مقترحٌ يصطدمُ في جوهره مع مقاصد الشريعة التي جعلت من "الستر" أصلاً ومن "براءة الذمة" يقيناً لا يزول بالشك. 

إن الإسلام في فلسفته التشريعية لم يقم أبداً على تتبع العورات أو التفتيش في الأجساد، بل جاء ليحمي كرامة الإنسان ويصون خصوصيته، حيث يقول النبي ﷺ: "من استطاع منكم أن يستتر فليستتر"، وهذا التوجيه النبوي ليس مجرد نصيحة، بل هو قاعدة لإدارة المجتمع تقوم على صيانة الحرمات.

 إن إجبار الفتيات على إجراءٍ طبيٍ مهينٍ لغرضٍ غير علاجي هو نوع من "هتك الستر" الذي توعد الله فاعله، وهو يفتح باباً من أبواب سوء الظن الجماعي الذي يفتت نسيج الثقة في المجتمع، بينما يأمرنا القرآن الكريم بـ "اجتناب كثيرٍ من الظن".


وتتجلى عظمة الرؤية الإسلامية في إعلاء شأن المسؤولية الفردية والضمير الحي، إذ يقول الحق سبحانه: "بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ"، وهي آيةٌ تقرر أن الرقابة الحقيقية والوحيدة التي يعتد بها الدين هي رقابة الذات لربها، فالله عز وجل جعل الإنسان هو الشاهد الأول على أفعاله والمؤتمن على سريرته، ولم يمنح أحداً حق الوصاية على الأجساد أو التفتيش في مكنونات العفة من خلال إجراءات قسرية.

 

إن محاولة استبدال هذه "البصيرة" الداخلية والوازع الديني بـ "رقابة خارجية" غاشمة تمتهن الجسد، هي إفراغ للقيم الدينية من محتواها الروحاني وتحويلها إلى مجرد إجراءات مادية منفرة، فالشريعة تريد من المؤمن والمؤمنة أن يكونا بصيرين بأنفسهما أمام الله، لا أن يُساقا كالمتهمين لإثبات براءتهما أمام البشر عبر فحوصات تنال من كرامتهما الفطرية.


وعلاوة على ذلك، فإن الشريعة الإسلامية أحاطت "العِرض" بسياجٍ من القدسية لم تحط به غيره، فجعلت من مجرد التلميح أو التشكيك في عفة المحصنات دون دليلٍ قاطعٍ جريمةً تستوجب الحد (حد القذف)، فكيف بمن يطالب بآلية تضع جميع فتيات المجتمع في موضع "المتُهم" حتى تثبت براءتهن عبر فحصٍ جسدي؟ إن هذا الطرح يقلب القواعد الفقهية المستقرة، فبدلاً من "الأصل في الإنسان البراءة"، يصبح "الأصل في الفتاة الاتهام"، وهذا عدوانٌ شرعي قبل أن يكون عدواناً حقوقياً. 

 

فالشريعة التي اشترطت أربعة شهود لإثبات واقعة محددة حمايةً للأعراض، لا يمكن أن تقبل بهتك ستر آلاف الفتيات بناءً على "شك" في ظاهرة اجتماعية، إذ إن المفاسد المترتبة على هذا الكشف من كسر للنفوس، وإذلال للكرامة، وإشاعة للريبة، تفوق بمراحل أي مصلحة متوهمة قد يراها البعض في منع الزواج العرفي.
إن محاربة الظواهر السلبية كالزواج العرفي لا تكون أبداً بامتهان الأجساد، بل بإحياء الضمائر وتيسير الحلال ومعالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية للظاهرة.

 إن جسد المرأة في الإسلام ليس "محلًا للفحص" أو "أداةً للإثبات"، بل هو أمانةٌ إلهية لها حرمتها وقدسيتها التي لا يجوز انتهاكها إلا بضرورة طبية معتبرة. إن ربط حق الفتاة في التعليم أو كرامتها الإنسانية بنتائج فحصٍ بيولوجي هو اختزالٌ مهين للمرأة، وتجاهلٌ لمكانتها التي رفعها الإسلام كشقيقة للرجل في التكريم الإلهي. 

لذا، فإن الرد الديني القاطع يكمن في أن "كشف العذرية" القسري هو ممارسةٌ تتنافى مع مروءة الإسلام، وتخالف واجب الستر، وتعد تعدياً على حدود الله التي وضعت لحماية الإنسان من أخيه الإنسان تحت أي ذريعة كانت.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

حصون العفاف لا تُهدم بالظنون

بقلم ياسر بركات